والله عزَّ وجل وزّع القدرات بين الناس بشكل عجيب، فهناك إنسان يملك ذاكرة قوية جدًا، و إنسان يملك قوة محاكمة قوية جدًا، و إنسان يملك طلاقة لسان كبيرة جدًا، وإنسان يملك قوة شخصية، وإنسان يملك قوة إقناع، إنسان يملك ذكاءً اجتماعيًا، فهذه القدرات العامّة والخاصَّة التي أودعها الله في الإنسان إذا تفوَّق بها لا يرقى بها عند الله لأنها ليست من كسبه إنما هي هبةٌ من الله عزَّ وجل، فالله قد أعطى الفيل حجمًا كبيرًا، و أعطى الطاووس منظرًا جميلًا، و أعطى الكلب حاسّة شمّ عالية جدًا، و أعطى الصقر رؤية قوية جدًا تبلغ ثمانية أضعاف رؤية الإنسان، و أعطى كل حيوان شيئًا، فهذا الشيء الفطري الوهبي، لا يرقى به إلى الله.
أما الشيء الكسبي فهو الذي يرقيك عند الله عز وجل، وإن من أعلى أنواع الكسب ضبط الذَّات، فعلى الإنسان أن يضبط ذاته، فقد أُودِع في الإنسان مثلًا حُبُّ المرأة، فغضَّ البصر ضبطٌ للذَّات، و أوُدِعَ فيه حُبُّ الفضول، فضبط اللسان عن قِصَصِ الناس وعن سقطاتهم يحتاج إلى جهد، و من هنا كان التكليف، و التكليف ذو كلفة، فأنت بحاجة إلى كلفة، تتكلَّفُها من أجل أن تصل إلى الله عزَّ وجل، فلذلك يجب أن نأخذ من هذه الآية حقيقةً خطيرة وهي أن القدرات التي أودعها الله فيك، والتي تزهو بها على الناس أحيانًا، أو تتفوَّق بها لا تقرّبك إلى الله عزَّ وجل، ولكن ضبط الذَّات الناتج عن شعور بأن الله عظيم، وأن طاعته واجبة، وأنه ينبغي عليك أن تنهى نفسك عن الهوى، هو الذي يقربك من الله، لذلك كان غضّ البصر، وضبط اللسان، وحُسُن الخُلقِ، والمسامحة والعفو، والسخاء والكرم هو الذي يرقى بك إلى الله عزَّ وجل، فحينما أراد الله أن يثني على النبي صلى الله عليه وسلمَّ ما أثنى على كونه أعظم خطيبٍ في العالم، ولا على أنه أعظم قائدٍ في العالم، ولا على أنه يملك ذاكرةً مدهشة، رغم أنه عليه السلام قد حفظ القرآن الكريم من أول مرَّةٍ أُنزِل، عليه، فمن يملك هذا؟ فهناك قدرات عالية جدًا أعطاها الله للنبي عليه الصلاة والسلام، أما حينما أراد مَدْحه مدَحه بأخلاقه.