قصة واقعية:
مرَّة سمعت قصةَ قديمة جدًا تقول: إن شابًا افتتح مكتبةً في بعض أحياء دمشق، و قد أُتيح له أن يحُج بيت الله الحرام في وقتٍ مبكِّر، عاد من الحَج وله دكاَّنٌ صغيرة يبيع فيه بعض الكتب والقرطاسية، جاءته فتاةٌ غمزت ولمزت، وألانت القول وكأنها تغريه أن يتبعها، وهو شابٌ في مقتبل الحياة، فأغلق محلَّه وتبعها، و في منتصف الطريق فكَّر .. أنا حججت بيت الله الحرام فإلى أين أنا ذاهب؟ فعاد، عاد واستغفر الله و أقلع عن هذه النية، وهذا الرجل الحي يُرزق .. في اليوم التالي جاءه أحد وجهاء الحي، وقد ألقى الله في روعه، وسأله: يا بني هل أنت متزوج؟ فقال: لا، قال: عندي فتاةٌ مناسبةٌ لك، أرسل أهلك إلى بيتها، فظنَّ هذا الشاب أنَّ في هذه الفتاة علَّةً منعت زواجها، فلمَّا أخبرته أمّه بأنها من أفضل الفتيات وافق على الزواج منها، وجعله عمُّه شريكًا له في تجارة الزيت، وصار من التجَّار المرموقين الذين عاشوا حياةً سعيدةً راقية، و كل هذا العطاء بسبب أنه فكَّر لحظةً وعاد واستغفر الله عزَّ وجل.
لما خلق الله العقل قال:"أقبل فأقبَل، ثم قال: أدبِر فأدبَر، قال: وعزَّتي وجلالي ما خلقت خلقًا أحَبَّ إليّ منك، بك أعطي وبك آخذ".. سيدنا نعيم بن مسعود كان في معسكر المشركين في الخندق، فكَّر لماذا أنا هنا؟ لماذا أحارب هذا الرجل؟ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه رجل يدعو إلى الله، يأمر بالمعروف، ينهى عن المنكر، فكيف أحاربه؟ و يوجد حديث في السيرة رائع جدًا عما دار بينه وبين نفسه من حوار؟ أيُعقل أن أحارب رجل يقول: ربي الله؟ يدعو إلى الخير؟ يأمر بصلة الرحم؟ فتسلل في جنح الظلام إلى رسول الله وأعلن إسلامه، وقال: يا رسول الله مرني ماذا أفعل؟ قال:"أنت واحد ماذا تفعل؟ خذِّل عنَّا ما استطعت"، هذا الرجل الصحابي الذي مضى على إسلامه ربع ساعة ذهب إلى قريش ولم يعلموا بإسلامه، وقال لهم كلامًا ذكيًا جدًا، وذهب إلى اليهود ولم يعلموا بإسلامه وقال كلامًا ذكيًا جدًا، ووقع الشقاق بين قريشٍ و اليهود ..
{وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ}
(سورة الأحزاب: آية"25")