ما هي هذه الذاكرة؟ إنسان في الخامسة والخمسين من عمره انطلق من معمله فلم يتعرّف إلى بيته، فبقي ساعاتٍ طويلة يقود سيَّارته في شوارع الشام من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، غاب عنه بيته، هذا فقد جُزئي للذاكرة، ويوجد فقد كلي، فإن دخل عليه ابنه قال له: من أنت؟ فكل واحد منَّا خبراته أساسها الذاكرة، كل إنسان صاحب حرفة، أو صاحب شهادة، صاحب اختصاص، طبيب، مهندس، محامي، تاجر، ما خبرته؟ هي عبارة عن خبرات متراكمة كلها مودعة في الذاكرة، من أعطانا هذه الذاكرة ولا يزيد حجمها عن حبة العَدَس؟ فيها سبعون مليار صورة، وهذه الذاكرة بعضها شمي، وبعضها صوتي، وبعضها شَكْلي، وبعضها ألوان، أما الأعجب من هذا فأن هذه الصور تُرتَّب في أماكن ثلاثة: أماكن في متناول اليد، وأماكن متوسطة، وأماكن بعيدة، وأماكن مهملة، فأنت حينما تقتني جهاز هاتف وتُبَلَّغ برقمه فإنك تحفظه فورًا، فهذا يوضع في أقرب مكان؛ كذلك أسماء أولادك، مهنتك، خصائص حرفتك في أول مكان، أشياء تحتاجها في الشهر مرَّة فإنها توضع في المكان المتوسط، أما ذهبت إلى بلد بعيد و أعطاك إنسان رقم هاتف أوعنوان، أو رأيت شكله واسمه، فإنه يوضع في مكان بعيد، وهذه أشياء تُسْقطها من التسجيل، هذا كلُّه تفعله الذاكرة من دون أن تشعر أنت، فهي تصنِّف هذه الصور، لكن ما دمنا في الحديث عن الذاكرة فلا بد من أن نذكر أن الاهتمام هو الذي يقوِّي الذاكرة، فإذا كنت مهتمًا بشيء نمت ذاكرتك وحفظته. .
{قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}
أي أعطاك قوةً إدراكية، أنشأك وسمح لك أن تعرفه، أنشأك وأعطاك أجهزةً كي تعرفه، أنشأك ودلَّك عليه، أنشأك وشقَّ لك الطُرق إليه. .
{قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}