أيها الأخوة الكرام؛ إن حاسة السمع من أدقِّ الحواس، وحتى هذه اللحظة لا نعرف كيف يستطيع الإنسان أن يفرق بين النغم والضجيج، فكلاهما صوت، و كلاهما موجاتٌ صوتية و تبدلاتٌ في الوسط المَرِن الذي هو الهواء، فلولا الهواء لما كان هناك صوت. . و روَّاد الفضاء وهم على سطح القمر يتخاطبون باللاسلكي، فليس هناك صوت بسبب عدم وجود الهواء على سطح القمر، فمن خلق الهواء؟ إن هذا الوسط المرن إذا أحدثت فيه اضطرابًا انتقل هذا الاضطراب إلى أذنك، ومن نعم الله علينا أن هذا الاضطراب يتخامَد، ولولا أنه يتخامد لسمعت هنا في الشام كل أصوات الأرض، كل هَيَجان البحار، كل ضجيج المعامل، كل أصوات الرعود في الأرض، فلولا أنَّ الموجة الصوتية تتخامد لكانت حياتنا جحيمًا لا يطاق، وقد جعل الله الصوت ينشأ عن إحداث اضطراب في هذا الوسط المرن، فإنك إذا ألقيت حجرًا في ماءٍ راكد رأيت حلقاتٍ تتباعد، فقد حدث اضطراب في هذا الوسط المرن فانتقلت أمواج الماء متناميةً. . كذلك الصوت في الهواء، فمن الذي خلق هذين الصيوانين بتعاريجهما واتجاه سطوحهما واختلاف أشكالهما؟ إنهما المسؤولان عن التقاط الصوت من كل الجهات، و هذا الصيوان من أبدع ما صنع الله عزَّ وجل، فحينما يلتقط هذا الصيوان الأصوات من كل الجهات يسوقها إلى قناة الأذن حيث تصطدم بغشاء الطبل و هذا الغشاء المرن -غشاء الطبل - ترتبطٌ به عُظيمات السمع، و عظيمات السمع تكبِّر الصوت عشرين مرَّة، فإذا كان الصوت فوق الحد المعقول تخفَّضه عشرين مرَّة، و نحن لا نعلم في عالم الآلات آلةً واحدة تكبّر وتخفّض في آنٍ واحد، ثم ينتقل هذا الصوت في دهاليز حلزونية فيها أربعون ألف قوس سمعي، هذه الأقواس مرتبطة بالعصب السمعي، إلى أن تصل إلى القنوات وإلى الأذن الداخلية وعندئذِ يقف العلم عاجزًا عن فهم كيف أننا نَطْرَبُ للنغم ونضجر من الضجيج وكلاهما صوت.