فمن يحلِّيه لنا؟ الله جلَّ جلاله، إن أصل هذه الأمطار من البحار والبحار ملحٌ أجاج، يموت الإنسان على سطح البحر عطشًا، فكم من باخرةٍ غرقت وركب بعض ركَّابها بقارب النجاة، وكم من إنسانٍ على قارب النجاة مات عطشًا وهو على سطح البحر، فالماء الملحٌ الأجاج على اتساع مساحته، وعلى عمقه لا ينتفع منه في الشُربِ فلا بدَّ من أن يُحَلَّى، و لا بدَّ من أن يُقَطَّر، فمن جعله عذبًا فراتًا؟ الله جلَّ جلاله، من أودعه في الينابيع؟ الله جلَّ جلاله، ونحن حينما أردنا أن نُنشئ مستودعًا للماء قَلَّدنا فعل ربنا تقليدًا فجعلناه تحت الأرض بأربع مائة متر، ومستودعات مياه عين الفيجة تتصل من منبعها إلى قريبٍ من حمص، ومن سِيْف البادية إلى منتصف لبنان، حوض هذا النبع الذي يروي هذه البلدة الطيبة، من الذي صمم مستودعه؟ ومن جعله يعطينا كل ثانيةٍ ستة عشر مترًا مكعبًا من الماء ليروي هذه المدينة بأكملها؟
? وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ?
(سورة الحجر: آية"22")
الهواء مُسَخَّر ومذلل تستنشقه أينما ذهبت بنسبٍ دقيقةٍ جدًا، فلو أن نسبة الأوكسجين في الهواء ارتفعت لاحترق كل ما على الأرض لأقل شرارة، لكن نسبة الأوكسجين إلى الآزوت نسب متوازنة في الهواء، والماء مُقَطَّر، لكن الماء المقطر تقطيرًا كاملًا لا يصلح للشرب لا بدَّ من بعض المعادن التي تُذاب في الماء بنسبٍ دقيقةٍ جدًا، فمن الذي جعل هذه النسب؟ في بعض البلاد التي تُحَلَّى فيها مياه البحر لا تصلح فيها هذه المياه المحلاَّة للشرب إلا إذا خُلطت بمياه الآبار المعدنية، فالماء المقطَّر كليًا لا يَصلِّح للشرب أبدًا، تقول: مياه معدنية فيها كالسيوم، فيها يود ومغانيزيوم وفوسفور، فمن صمَّم هذه المياه؟ و من أودعها في هذه المستودعات التي لا تفسُد فيها؟ كم من مستودعٍ للماء صنعه الإنسان يُسهم في إفساد هذا الماء، النتيجة هي أن كل شيءٍ مذللٌ لك.
القمح: