فماذا نستفيد من هذه الآية؟ لو أنَّ إنسانًا صديقًا، أو أخًا في أسرة انحرف أشدَّ الانحراف، وبقي إخوته يثنون عليه، ويرحبِّون به ويودّونه، هذا الإنسان كيف يهتدي إلى أنه على خطأ؟ أما إذا وجد إعراضًا من أمِّه وأبيه، إعراضًا من إخوته وأخواته، إذا وجد نفسه منبوذًا لعلَّه يستيقظ، لعلَّه يهتدي ..
قال لي بعض الإخوة الكرام: إن سبب إيماني وتوبتي إلى الله سائق سيارة، ركبت معه، ومعي مشروبٌ كحولي، فلَّما رآه طردني من السيَّارة، وقفت ساعةً، ولم أجد مركبةً أخرى تُقِلُّني إلى بيتي، فتألَّمت أشدَّ الألم، وشعرت بصَغارٍ ما بعده صَغار، وكان هذا الموقف القاسي من هذا السائق سبب توبتي ..
أحيانًا إنسان منحرف لا ينبغي أن نضحك في وجهه، لا ينبغي أن نحترمه، لا ينبغي أن نَشُدَّ على يده في أثناء المصافحة، ينبغي أن يشعر أنه منحرف عقيدةً أو سلوكًا، طبعًا هذا لا يقودنا إلى أن نعادي الناس، ولكن هذه الابتسامة الرقيقة، وهذا الود البالغ هذا لا يكون إلا للمؤمن، أما غير المؤمن فيجب أن يرى منك إعراضًا، أو تأنيبًا، أو موقفًا يشعره أنه على باطل لا على حق، لعلّ هذا يكون سببًا في هدايته.
إن الإنسان اجتماعي بالطبع، فإذا وجد نفسه أنه منبوذٌ في مجتمعٍ ما، بعيدٌ عن ودِّهم، عن ملاطفتهم لعلَّه يستيقظ، لعلَّ في هذا تذكرةً أو تنبيهًا إلى خطئه.
العبرة أن قلب المؤمن يتَّسع للناس جميعًا، فإذا كانت الحكمة أن يصلًهم وصلهم، إن كانت الحكمة أن يقطعهم قطعهم، إن كانت الحكمة أن يعطيهم أعطاهم، إن كانت الحكمة أن يمنع عنهم منع عنهم، عطاؤه ومنعه، وصلته وقطعه، وغضبه وابتسامته موظَّفةٌ كلّها في سبيل الله، موظَّفةٌ كلّها في رد الناس إلى باب الله، وفي دعوتهم إلى الله.