الشيء الذي يلفت النظر، والشيء الذي ينتزع الإعجاب أن أصحابه الكرام رأوا كل فضائله رأيّ العين، رأوا تواضعه، وورعه، وجهده، ورحمته، تعلقوا به لا لأن أقواله مقنعة فحسب، بل لأنهم رأوا قرآنًا يمشي، السيدة عائشة رضي الله عنها سئلت عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام قالت:
(( كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ ) )
[مسلم عن عائشة]
بعضهم قال: القرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي.
كان مع أصحابه، وأرادوا أن يعالجوا شاة، قال بعضهم: عليّ ذبحها، وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: عليّ جمع الحطب، واختار أصعب مهمة، قيل له: يا رسول الله نكفيك هذه المهمة؟ فقال: أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزًا عن خَلْقه.
(( دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ، قَالَ: فَجَلَسْتُ، فَإِذَا عَلَيْهِ إِزَارٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبهِ، وَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَقَرَظٍ فِي نَاحِيَةٍ فِي الْغُرْفَةِ، وَإِذَا إِهَابٌ مُعَلَّقٌ، فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَمَالِي لَا أَبْكِي، وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَلِكَ كِسْرَى وَقَيْصَرُ فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ؟ قَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمْ الدُّنْيَا؟ قُلْتُ: بَلَى ) )
[ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]
كان يأكل كما يأكل العبد، ويجلس كما يجلس العبد.
1 ـ القهر: