قضية دقيقة، أعداء الإسلام ينفدون إلى الإسلام من باب أن النبي عبقري، وأنه أكبر مصلح اجتماعي استوعب معطيات العصر، وجمع الناس، واستمال قلوبهم، ووجههم إلى هدف واحد، هذا كلام مرفوض، النبي عليه الصلاة والسلام نبي مرسل، ويوحى إليه، وما نطق كلمة من ثقافته، ولا من معطياته، ولا من خبرته، فالذي قاله النبي حق لا محالة فيه، حتى في شؤون الدنيا، وكلما تقدم العلم التقى مع أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك ليحذر أحدنا أن ينساق وراء من يمجدون النبي، ويضفون عليه العبقرية والقوة في شخصيته، هؤلاء لا يريدون أنه نبي، هو نبي مرسل، يبلغ الناس ما أوحي إليه، يعطي ما يأخذه من ربه، كلامه تشريع .. أعماله تشريع .. إقراره تشريع .. أحواله تشريع .. صفاته تشريع، عصمه الله من أن يخطئ في أقواله وأفعاله، وإقراره وصفاته، أمرنا أن نأخذ عنه كل أوامره، وأن ننتهي عمّا نهانا، جعله الله لنا قدوة وأسوة، فقال:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}
[سورة الأحزاب: 21]
فالنبي عليه الصلاة والسلام له مهمتان: مهمة التبليغ، ومهمة القدوة والأسوة، بل إن قوة تأثيره صلى الله عليه وسلم في المؤمنين لا لأنه بلغهم بل لأنه كان أسوة لهم، ما قال شيئًا إلا طبقه.
النبي عليه الصلاة والسلام انتزع إعجاب أصحابه من خلال تطبيقه لما يأمرهم به، كان إذا أمرهم بأمر كان أولّ من ائتمر به، وإذا نهاهم عن أمر كان أولّ من ينتهي، كان قدوة كاملة.
مرة جاءه صحابي جليل مهاجر، استطاع هذا الصحابي أن يَعِدَ الذين اعترضوا على هجرته ألاّ يقاتلهم، وانضم هذا الصحابي إلى النبي، وعاش في المدينة، وبعد حين كانت غزوة بين المسلمين والكفار، فإذا بهذا الصحابي الجليل يندفع ليغزو مع رسول الله، يقول له النبي عليه الصلاة والسلام: ارجع، ألم تعاهدهم؟