{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا (85) }
(سورة الإسراء)
ذات مرة شاب داعٍ إلى الله عز وجل، يبدو أنه ألقى دروسًا في بغداد، وتحلق الناس حوله، وأقبلوا عليه إقبالًا شديدًا، بعض من يعلم في العلم من التقليديين امتلأ صدره غيظًا منه، فجاء إلى مجلسه كي يسفهه، فحضر الدرس، وفي نهاية الدرس وقف، وقال:
ـ يا هذا، هذا الذي تقوله ما سمعناه، من أين جئت به؟ هذا ليس علمًا.
ـ قال له: يا سيدي، وهل حصَّلت العلم كله؟ سؤال محرج، إذا قال له: نعم خالف الآية:
{وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ}
(سورة البقرة: من الآية 255)
{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا (85) }
(سورة الإسراء)
ـ قال له: كلا والله.
ـ قال: كم حصلت منه؟
ـ قال له: شطره.
ـ قال: هذا الذي قلته في هذا الدرس من الشطر الذي لا تعرفه.
فالإنسان ليكن متواضعًا، لا تقل: أنا أعلم، قل: أنا أعلم بفضل الله، لذلك يظل المرء عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، لمجرد أن تقول: أنا أطلب العلم فأنت عالم، ولا ضير عليك أن تقول: لا أدري، وهذا وسام شرف آخر، النبي الكريم سئل أسئلة كثيرة قال: لا أدري، حتى يأتي الوحي، فجاء الوحي فأجاب، وهو قمة العلم في الأرض كلها.
على كلٍ أكبر شرف تحوزه أن تطلب العلم، أن تطلب العلم النافع، هناك علم ممتع، وهناك علم ممتع نافع، وهناك علم ممتع نافع مسعد، إنه معرفة الله، ممتع نافع مسعد، قد تقرأ في النعي: أن هذا من أعلم علماء الأرض في هذا الموضوع، مات، وانتهى، أما إذا كان يعرف الله فعلمه ينفعه بعد الموت، أما إذا كان غافلًا عن الله، وكان متفوقًا في العلم فعلمه ينفعه في الحياة الدنيا، أما إذا عرف الله عز وجل فينفعه علمه في دنياه وفي أخراه، فدقق في هذا.