وأبلغ من ذلك الإنسان الجريح حاجته إلى المال خيالية، فلو قلت له: هل تشتري هذا الكأس بمليون ليرة؟ يقول لك: نعم، كأس ماء، ففي معركة اليرموك حينما طاف أحدهم بقربة ماءٍ على سيدنا عكرمة آثر بها أخاه، سمعه يئن فقال: أعطِ أخي، فلما جاء إلى أخيه سمع أخًا ثالثًا يئن فقال: أعطِ أخي. أول إنسان سمع أخاه يئن قال: أعط أخي، لعله أحوج مني، فانتقل هذا الساقي إلى الثاني فسمع أخًا يئن فقال: أعطِ أخي، فإنه أحوج مني، ذهب إلى الثالث فرآه قد مات، فاضت روحه، عاد إلى الثاني فرآه قد مات، عاد إلى الأول فرآه قد مات، ثلاثةٌ وهم في طور النزاع، وهم في أشد الحاجة إلى الماء، آثروا غيرَهم على أنفسهم، انظرْ إلينا، هل نحن في هذا المستوى؟ تجد الإنسان يقتنص المغانم، وكأنه ليس في الدنيا إلا هو.
{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}
إخواننا الكرام، المؤمن الصادق يبني حياته على العطاء والمؤاثرة، والمنافق يبني حياته على الأخذ والأَثَرَة.
عندنا أثرة وعندنا مؤاثرة، الأثرة أن تأخذ كل شيء دون أن تعطي شيئًا، والمؤاثرة أن تعطي أخاك كل شيء ولا تعطي شيئًا، المؤمن الصادق يبني حياته على المؤاثرة والعطاء، والمنافق يبني حياته على الأثرة والأخذ.
{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ
بين البخل والشحّ:
الحقيقة أنّ البُخل أنْ تبخل بمالك، أما الشُح فأن تطمع في مال غيرك، أن تأخذ ما ليس لك، لذلك الإنسان الذي يأخذ ما ليس له هو عند الله شحيح، وهذا من أخطر الأمراض، لأن أكل المال الحرام مُدَمِّر، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله، وأعطى في النائبة، وأقرى الضيف ) ).
[الجامع الصغير عن خالد بن زيد بن حارثة]