فيا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فتناجوا بالبر والتقوى وبطاعة الله، كأن تتناجوا بكيفية الدعوة إلى الله، أو كيفية إقناع الناس بأحقية هذا الدين، أو طرق تعليم كتاب الله، وأساليب جذب الناس إلى بيوت الله و حملهم على الاستقامة، فمناجاة المؤمنين تكون إما بالبر وهو صلاح أمر المسلمين، أو بالتقوى وهي صلاح دينهم، وقد جاء في الدعاء الشريف:
(( اللهم اصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ) )
فإذا اكتفى المسلمون في بلادهم ذاتيًا، فأكلوا ما يزرعون، و لبسوا ما ينسجون واستعملوا الآلات التي يصنعون، فما كانوا عالة على أحد، فهذه نعمة كبيرة، كذلك إذا أُمِّنت المياه للبيوت جميعها، وعبّدت الطرقات، وأشيدت المستشفيات والجامعات، وحوفِظ على الانضباط الأخلاقي كان كل هذا من البرّ، فالمجتمع المسلم يحتاج إلى طبابة جيدة وإلى تجارة رابحة وإلى تصنيع مُتْقَن، فهناك أعمال كثيرة تعود بالخير على المسلمين، و تمنعهم من أن يكونوا تحت رحمة أمم أخرى، لقد ذكرت لكم مرةً أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يزور بلدة إسلامية من رعاياه، فلفت نظره أن كل الفعاليات الاقتصادية في يد غير المسلمين فآلمه ذلك، فلما سألهم اعتذروا، فقال رضي الله عنه: كيف بكم إذا أصبحتم عبيدًا عندهم؟؟ فقد أدرك هذا الخليفة الراشد أن الإنسان إما منتج أو مستهلك، فالمنتج قوي ومتحكم، أما المستهلك فهو ضعيف، و نحن مثلًا قد نبيع الصوف فيرجع إلينا قماشًا مصنوعًا بألف ضعف، والإحصاء في ذلك بسيط، فسعر الرطل من صوفنا سبع عشرة ليرة، فيعود هذا الصوف مصنعًا منسوجًا إلينا بألف و سبعمائة ليرة، فلو أننا صنعنا إنتاجنا من القطن بأيدينا، و استثمرنا بترولنا بأيدنا لكان أولى بنا.