وهذا الزَّمن- أيها الإخوة -هو أخطر شيء على الإطلاق، فإما أن تنفقه اسْتِهلاكًا، أو أن ... تنفقَهُ اسْتِثمارًا، فالإنفاق الاستهلاكي للزَّمن يعني أنْ تفعَل كلّ المباحات التي لا علاقة لها باليوم الآخر، أما الإنفاق الاستثماري فهو أن تعمل عملًا في هذا الزَّمن ينفَعُكَ بعد انقضاء الزَّمن! فالإيمان بالله تعالى ومعرفة منهجه، وطاعته، والعمل الصالح، والدَّعوة إلى الله، و كلّ نشاط بشري يستمرّ أجرُه وفائدته بعد انْقِضاء الحياة يُعدّ اسْتثمارًا للزَّمن، فلو أنَّ الإنسان تنبَّه إلى خطورة الزَّمن لما نام الليل، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا".
[رواه البخاري]
والإنسان دائمًا يعدّ حياته بالطريقة التَّصاعدِيَّة، فيقول مثلًا: عمري خمسون عامًا، فلو أنَّه قال: بقيَ لي عشر سنوات لانْخلَعَ قلبهُ! فكيف مضَتْ هذه الخمسون؟ وكيف مضَت الأربعون؟ عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذلك".
[رواه الترمذي]
فكلّ إنسان عاقل يعدّ عمرهُ عدًّا تنازليًا، لا عدًّا تصاعديًّا، فيسأل هل بقِيَ بِقَدْر ما مضى؟ فإذا أنت لم تدخل ساعة مغادرة الدنيا في حِساباتك اليوميَّة فإنك لن تنجو لا من عذاب الدنيا ولا من عذاب الآخرة! لقد ذكرتُ أنَّ مرةً طالبًا نال الدَّرجة الأولى، فقيل له: بِمَ نِلْتَ هذا؟ فقال: لأنّ لحظة الامتحان لم تُغادِر مخيِّلتي ساعةً واحدة!!! والإنسان المؤمن لا تُغادر ذِهنَه إطلاقًا لحظةُ مُغادرته الدنيا، ووقُوفه بين يدي الله، وسؤاله عن كلّ أعماله، فهو دائِمًا يسعى للآخرة، قال تعالى: