فنحن لسنا مخيرين أن نؤمن أو لا نؤمن، أن نقبل أو لا نقبل، أن نعتقد أو لا نعتقد، نحن مخيرون متى نؤمن إما أن نؤمن في الدنيا فننتفع بإيماننا، وإما أن نؤمن بعد فوات الأوان، لا بدَّ من أن تعرف جواب هذا السؤال، فإما أن تعرفه قبل الامتحان فتنجح، وإما أن تعرفه بعد الامتحان فيزداد الندم، ولات ساعة مندم.
أيها الإخوة: هذه الفكرة أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون واضحةً في أذهانكم: خيارك مع الإيمان ليس خيار قبولٍ أو رفض، خيار وقت.
وفي مثل أقرب تجد الشاب الشارد عن الله عزَّ وجل، يعتقد اعتقادات فاسدة، يؤمن بنظريات لا أصل لها، يتحمَّس إلى الدنيا ينكب عليها بكل طاقاته، فإذا بلغ الأربعين وتجاوز الخمسين اعتدل، شعر بدنو أجله، بدأ يُصَلِّي، فإذا ما صار الندم الشديد عند الموت هناك ندمٌ قبل الموت، فالبطولة أن تعرف الله في وقتٍ مُبَكِّر، أن تعرف الله قبل أن تتزوج كي تختار شريكة حياتك مؤمنةً تعينك على دينك، أن تعرف الله قبل أن تعمل كي تختار عملًا يتوافق مع مبادئك، أن تعرف الله قبل أن تقيم شبكةً من العلاقات حتى إذا عرفت الله رأيت نفسك مربوطًا مع هذه العلاقات، فالبطولة أن تعرف الله في الوقت المناسب، وأفضل وقت مناسب في شبابك، وهذا الحديث الجامع المانع الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم:
(( اغتنم خمسا قبل خمس ... ) )
(أخرجه الحاكم، والبيهقي، عن ابن عباس، أحمد عن عمرو بن ميمون)
الإنسان في شبابه لا يشعر بشيء اسمه قلب، ولا ضغط، ولا ضيق شرايين، ولا شريان مسدود، ولا قسطرة، ولا تغيير دَسَّام يتحرَّك كالحصان، وفي شبابه لا يوجد عنده ألم مفاصل ولا يوجد عنده ارتفاع نسب الأسيد أوريك، لا يُلقي بالًا إلى صحَّته ولا إلى نسب تراكيب دمه ولا إلى عمل أجهزته، كتلة من الحيوية والنشاط، هذه المرحلة هذه استغلها في معرفة الله، والإقبال عليه، والأعمال الصالحة، وطلب العلم (( اغتنم خمسا قبل خمس ... ) )