حينما تعكف على فهم كلام الله، وحينما تَعكف على قراءة كلام الله، وحينما تعكف على حِفظ كلام الله، وحينما تتبصَّر بمدلولات كلام الله، وحينما تنقل هذه المعاني إلى الآخرين فأنت تجاهد أعظم جهادٍ ذكره الله عزَّ وجل، لقد وصف الجهاد بأنه كبير.
{وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}
هناك بشارةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( ومن جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ) ).
(الجامع الصغير عن أنس)
فالله سبحانه وتعالى جعل تعلُّم القرآن وتعليمه ضمانًا من الخرف الذي وصفه الله عزَّ وجل في آياتٍ كثيرة قال:
{وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}
(سورة النحل (
هذا الحال الخرف أو مرحلة أرذل العمر هذه لعل الله سبحانه وتعالى يُعفي المؤمن منها ويحفظه من الوقوع فيها.
يوجد سؤال قد يتبادر في الذهن: لما لم يقل الله عزَّ وجل: {الرحمن علَّم القرآن وخلق الإنسان وعلمه البيان} لو أضفنا (الواوات) حروف العطف بين هذه الآيات لتوهَّمنا أن كل هذه النعم نعمةٌ واحدة، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يبيِّن لنا أن كل واحدةٍ نعمةٌ قائمةٌ بذاتها، علَّم القرآن أكبر نعمةٍ على الإطلاق أن يكون القرآن ربيع قلبك وجلاء هَمِّك، أن تَشْتَقَّ عقيدتك من كتاب الله، أن تكون تصوراتك وفق كتاب الله، أن تكون موازينك وفق كتاب الله، أن يكون منهجك مستنبطٌ من كتاب الله، هذه أعظم نعمةٍ على الإطلاق، لذلك القرآن وحده أكبر نعمة، ثم وجودك نعمة، لماذا أمر الله سبحانه وتعالى الأبناء ببِرِّ الوالدين؟ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الأب والأم سبب وجودك، فنعمة الإيجاد نعمةٌ كبيرة فالذي كان سبب هذا الوجود يجب أن يتلقَّى منك رحمةً كثيرة ..