والله عزَّ وجل لا يليق بكماله وهو رب العالمين أن يرى عبده منحرفًا وأن يمدَّه إلى آخر الطريق، هذا الشيء يتنافى مع ربوبية الله عزَّ وجل، وإنسان قوي، وذكي، وظالم، ومنحرف، وكافر، وعاصٍ، وفاجر، وكل شيء بيده، وقد رتَّب أموره على نحوٍ يسعده في وهمه، فمثل هذا الإنسان لن تمضي خطته إلى نهايتها، من دون تدخل الإله العظيم فهذا يتناقض مع ربوبيته، ولذلك قال أحدهم:"عرفت الله من نقض العزائم"، تكون خطة محكمة جدًا جدًا، ومدروسة، ومدعمة، ومغطاة، فالله سبحانه وتعالى بسببٍ لم يخطر على بال من أحكمها تنكشف خطته، ويفتضح أمره، ويقع في شر عمله.
مثلًا: إنسان يأتي ببضاعة انتهى مفعولها وحقق أرباحًا طائلة، يضع لصاقة جديدة ويبيعها بشكل مغرٍ وبأسعار معقولة وبإيحاء أنها بضاعة جيدة جدًا إلخ، فغش الناس كثيرًا، وهو ذكيٌ جدًا، فكيف انكشف أمره؟ نسي في بعض العلب أن يضع اللصاقة الجديدة فوق القديمة، فانكشف أمره، وهذا في بلد آخر، على أثر الغش التجاري ظهر قانون كان فيه قسوة بالغة لأنه غطى انحراف المنحرفين، فإنسان يغش الناس، ويبتز أموالهم، ويبني مجده على أنقاض الآخرين، وحياته على موتهم، وغناه على فقرهم، وتمضي خطته إلى نهايتها!! فهذا يتناقض مع ربوبية الله عزَّ وجل.
لذلك فالإنسان مهما كان حذرًا، ومهما كان قويًا، وحكيمًا، ويقظًا، ومستعدًا، فمهما غَطَّى الأمور، وسد الثغرات، وتوقع الاحتمالات، و أخذ بالأسباب، إن كان منحرفًا لابدَّ من أن يدمر لسببٍ تافه، فلو تتبعتم كيف ينهار الإنسان المنحرف تجدون شيئًا عجيبًا، مرّ بمخاطر كبيرة جدًا ونجا منها، وعند أتفه الأسباب فُضِحَ أمره، فهذا من فعل الله، وهذا بتقدير الله، وبحكمته عزَّ وجل.
{وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ}