الإنسان باسْتِقامته، وترفّعه عن السَّفاسف، وتعلّقه بالكمالات، وباتِّصاله بالله عز وجل يُكرّم عند الله، وعند الناس، فَفُلانٌ من الناس مُكرَّم باسْتِقامته ومكرم بإكرام الناس له، وكِلا المعنيَيْن يصِحّ في هذه الآية يمكن أن تستقيم، و أن تلتزِمَ الصِّدق، وأن تؤدِّي الأمانة إلى أهلها، وأن تفي بالوعد، وأن تنجز الوعد، عندئذ أنت مكرَّم عند الناس وعند الله تعالى، فأعمالك الطيّبة تنتزع تكريم الناس لك، واستقامتك تلفت النَّظر، وعِفّتك تلفت النَّظر، وإقبالك على الله يلفت النَّظر، فأنت بإمكانك أن تكرّم نفسَك بِتَرفُّعها عن الدَّنايا، وحينما تكرِّم نفسَك بالتَّرفّع عن الدنايا يُكَرِّمك الله عز وجل عن طريق تكريم الخلق لك، قال تعالى:
{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}
[سورة طه]
أيْ ألْقَيْتُ حُبَّك في قلوب الخلق، وما أخْلص عبدٌ لله عز وجل إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودَّة والرَّحمة، وأثْمن ثرْوةٍ، وأعظم رأسِمالٍ تملِكُهُ ثِقة الناس بك، ومحبَّتهم لك.
إذًا وقفة دقيقة، فأنت باسْتِقامتك، وعِفَّتك، وطهارتك، وصِدقك، ووفائِكَ بِعَهدك، وإنجازك لِوَعدكَ، وترفُّعِكَ عن الدَّنايا تتكرَّم في ذاتك والناس يُكَرِّمونك، فإذا فعَلْتَ هذا كرَّمَكَ الله تعالى جزاءً، وألقى حُبَّك في قلوب الخلق، وألقى مهابَتَك في قلوب الخلق، وجعل قلوب الخلق تميل إليك، فإذا أردْت عِزًًّا بلا سلطان، و إذا أردت رِفْعةً بين الناس فَكُنْ مع الله، وأخْلِص لله، واسْتقِم على أمر الله، وأقْبِل على الله تعالى، وإذا أحبّ الله عبدًا ألقى حُبَّه في قلوب الخلق ، قال:
يُنادى له في الكون أنَّا نُحِبُّه ... فيسْمَعُ من في الكون أمر مُحِبِّنا