بقي في هذا الموضوع موضوع دقيق، وهو أنَّ الرّزق المادي قد يتوافر وتُحْجب عنك رحمة الله، فإذا هذا المال الوفير هو أكبر عدوّ لك، هو سبب طلاق زوجتك، وسبب انحراف أولادك، وسبب عداوتهم لك، وسبب انْشِغالك إلى قمَّة رأسك بالمال، وربما كان هذا المال الوفير سبب الشقاء في الدنيا، لذلك اُطْلب من الله رحمته أوَّلًا، فإذا جاءك المال وحُجِبَت عنك رحمة الله كان المال وبالًا عليك، وكان المال أكبر عدوّ لك، وربّما قُتِل الإنسان من أجل ماله، وربّما انتَهَتْ حياتُهُ طمعًا بِمَاله، وربَّما قتله أقرب الناس إليه، لذلك إذا جاءك المال الوفير، وحُجِبَت عنك رحمة الله كالرزق أكبر أعدائك، وأما إذا أعْطيت رحمة الله عز وجل وكان مالكً قليلًا كان هذا المال القليل فيه بركة، ففي الآلة الحاسبة هناك تسعة أرقام وصفر، فيه زائد، ناقص، فيه جذر، وفيه ذاكرة، وأزرار أخرى ولكن لا يوجد زرّ البركة إطلاقًا، لكنَّ البركة حقيقيّة مع المؤمن، فقد يعطيك الله رزقًا قليلًا ويُبارك لك فيه، تأكل وتشْرب وتستمتع، وتُعطي من حولك، شيء عجيب، وقد يُؤتيك الرّزق الكثير فَتُنْفقُه على صحَّتك، وتنفقهُ في أصعب الظروف ولأتفه الأسباب تدفع مئة ألف، ومئتي ألف، وأربعة الملايين لغلطة صغيرة تستوجب عشرين عامًا من السّجن، تدفعها لتنجو من السجن، المؤمن المستقيم الله جلّ جلاله يُبارك له في رزقه القليل، لذا إن كان رزقك كفافًا، يكفيك من دون زيادة، فقد أصابتْك دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، لا تخف من هذه الدعوة، وافْرَح لها:
(( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ ) )
[رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
المال الوفير للمؤمن الحقيقي أحد مفاتيح الجنة: