يروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه جاءته رسالة من أحد الولاة، فقال:"يا أمير المؤمنين إن أناسًا اغتصبوا مالًا ليس لهم، ولست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسَّهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت"، قال:"يا سبحان الله أتستأذنني في تعذيب بشر؟ وهل أنا حصنٌ لك من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البيّنة، فإن قامت فخذهم بالبيّنة، فإن لم تقم فادعهم للاعتراف، فإن اعترفوا كان بها وإلا فادعهم لحلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم".. إذًا إما أن تملك بيّنة، وإما أن يعترف، وإما أن تدعوه لحلف اليمين، أما أن تسيء الظنَّ به، وتُنزل به العقاب الأليم من دون بيّنةٍ، ولا دليلٍ، ولا اعتراف فهذا ظلمٌ شديد.
إذًا التفرقة بين سوء الظن الذي يعدُّ عصمةً، وحزمًا، واحتراسًا، وبين سوء الظن الذي يعدُّ إثمًا، فالتفرقة بينهما إذا كان هناك دليل يُشْعِر بخطأٍ جسيم فعندئذٍ لك أن تسئ الظن، وإن لم يكن هناك أي دليل فعليك أن تُحْسِنَ الظن، ومن أساء الظن بأخيه فكأنَّما أساء الظن بربه ..
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ}
لكن كلمة الظن وردت في القرآن الكريم في أماكن أخرى بمعنى اليقين الفكري ..
{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ}
(سورة البقرة: آية"46")
فالظن هنا بمعنى اليقين الفكري، فعندنا يقين، وعندنا علم اليقين، وحق اليقين، وعين اليقين، فعلم اليقين الاستدلال المنطقي على حقيقةٍ غائبةٍ عنك بدليلٍ ماديٍ بين يديك، هذا اسمه علم اليقين، سمَّاه القرآن ظنًَّا، أما حقُّ اليقين فحينما تشاهد هذا الشيء الغائب عنك، تعاينه معاينةً حسِّيّة فهذا حقُّ اليقين، أما حينما تمسَّ هذا الشيء مسًَّا مباشرًا بحواسِّك الخمس فهذا عين اليقين.
قال الله عزَّ وجل:
{إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا}