لا شيء يعين الظالم على ظلمه كسكوت الآخرين على هذا الظلم، فلو أن كل مسلمٍ رأى انحرافًا، أو رأى ظُلمًا بين مؤمنين ووقف إلى جانب المظلوم، لصار الظالم يفكِّر ألف مرَّة قبل أن يقدم على ظلم أخيه، إذًا السلبية المقيتة التي تَفَشَّت بين المؤمنين، تجد أخوين متحاربين اثنتي عشرة سنة وبقية الأخوة متفرِّجون، وأسرتين متعاديتين سنوات طويلة وبقية أطراف الأسرة متفرِّجون، هذا الموقف الانهزامي أو السلبي ليس موقفًا إيمانيًا يليق بالمؤمن لقوله تعالى:
{فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي}
هذه الآية أيها الأخوة ... يجب أن نوسِّعها، ليست محصورةً في القتال، فالآية تشمل كل أنواع الخصومات، ولو أن الطرف الثالث وقف موقفًا مُنْصِفًَا من نزاعٍ بين مؤمنين، أو بين أطرافٍ عدَّة من المؤمنين لحُسِمَ هذا الخصام ولعادت المياه إلى مجاريها، والتف المؤمنون وصاروا قوَّةً لا يُستهَان بها، فما الذي ضعضع قوة المسلمين وفَتَّ في عضدهم، وفرَّقهم وشتَّت شملهم؟ إنها هذه المنازعات فيما بينهم، وهذه الآية هي حلٌ لهذه المشكلة.
على الإنسان مقاطعة الباغي و زجره ليتقلص الظلم و ينمو العدل:
أنا لو وسَّعت الآية إلى مستوى الخصومات بين الأسر؛ فهناك خصومات، وتدابر، وبغضاء، وطعن، وغيبة، والأطراف الباقية متفرِّجة تستمتع بهذه الخصومات، ولكن الموقف الإيماني يقتضي أن تنصح الطرفين بأن يلزما العدل، ويلزما ما أمر الله به.
{فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا}
يجب أن تقاطع الباغي، وأن تزجره، وأن توقفَه عند حدِّه، فبهذه الطريقة يتقلَّص الظلم وتضيق دوائره، وينمو العدل وتتسع دوائره، ولذلك:
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}
(سورة هود)