أحيانًا تأتي الآية بعد المشكلة وكأنها البَلْسَم، وكأنها الشفاء، وكأنها القاعدة، فأنت لاحظ نفسك إذا كنت تمر بمشكلة، أو بتجربة مُرَّة، أو بقضية متعبة، ثم جاءتك القاعدة، فهذه القاعدة تتبناها وتصل إلى أعمق أعماق نفسك، وتصبح هذه القاعدة جزءًا من بُنْيانك، ولذلك فالحقائق إذا تُلِيَتْ بعد التجارب فهذه الحقائق لا تنسى ولا تمحى، وهذه قاعدة في التربية، فإذا أردت أن تربِّي ابنك وقد مر في تجربةٍ مؤلمةٍ بعد هذه التجربة ألق عليه القاعدة، أولًا:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا}
ويبدو أن الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نتحابب، وأن يكون المجتمع المؤمن مجتمعًا متماسكًا، متراصًا، متعاونًا، متآزرًا، متحابًا، فما الذي يفتته؟ وما الذي يُضْعِفُهُ ويمزقه؟ ويضعف شأنه؟ ويضعه في الوحل؟ إنها الخصومات، والمهاترات، والطعن، والشك، والحسد فأحد أسباب تفكيك المجتمع أن تصغي إلى فاسقٍ بنبأٍ عن مؤمن.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ}
لماذا قال الله عزَّ وجل:
{إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ}
لأن المؤمن لا يمكن أن يكذب، ورد في الحديث الشريف أن:
(( المؤمن يطبع على الخلال كلها إلا الكذب والخيانة ) )
[أخرجه أحمد عن أبي أمامة الباهلي]
فحينما يكذب أو يخون نُزِع من الإيمان، فعندئذٍ لا يكون مؤمنًا.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ}
فالفاسق يكذب، والفاسق يفتري، ويقول ما لم يقع، ولمجرد أن يكذب الإنسان في الخبر فهو فاسق، بل إن بعض علماء الحديث لمجرد أن أحد الرواة كذب على فرسه، جاء من المدينة إلى البصرة ليتلقَّى عنه حديثًا شريفًا فلما رآه قد كذب على فرسه، رفع رداءه لها وأوهمها بالشعير في الرداء فأقبلت عليه، فتقدم منه فلم ير في الرداء شيئًا، عاد إلى المدينة من توه ولم يسأله عن شيء، فقال:"الذي يكذب على فرسه ليس أهلًا أن يؤخذ منه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".