وخرج النبي عليه الصلاة والسلام فأخذ حربةً وقصد هديه، وأهوى بالحربة إلى البُدن رافعًا صوته: بسم الله الله أكبر، ثم دعا خُراش بن أمية الخُزاعي، فحلق رأسه الشريف ورمى شعره على شجرة، فأخذه الناس فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا وحلقوا وقَصَّر بعضهم، فدعا عليه الصلاة والسلام للمحلِّقين ثلاثًا قال:
"رحم الله المحلقين، فقالوا: والمقصرين؟ قال: رحم الله المحلقين، فقالوا: والمقصرين؟ قال: رحم الله المحلقين، فقالوا: والمقصرين، قال: والمقصرين".
عندئذٍ أقام المسافرين في الحديبية بضعة عشر يومًا، وقيل: أقاموا عشرين يومًا، ثم انصرفوا إلى المدينة، وكان عمر بن الخطاب يسير مع رسول الله ليلًا فسأله عمر عن شيءٍ، فلم يجبه النبي، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر يخاطب نفسه: ثكلَتك أمك يا عمر، سألت رسول الله ثلاث مراتٍ فلم يجبني، فقال عمر: وحركت بعيري ثم تقدَّمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزَّل فيَّ قرآن- شعر أنه ارتكب ذنبًا عظيمًا حينما وقف هذا الموقف المُعارض- فما لبثت أن سمعت صارخًا يصرُخ بي قال: فقلت: لقد خشيت أن يكون قد نزل في قرآن فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فقال: لقد أنزلت علي الليلة سورةٌ لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس- نزلت في الطريق - ثم قرأ:
{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) }
الله عزَّ وجل سَمَّى هذا الصلح: فتحًا مبينًا.
بنود الصلح ليست في صالح المسلمين فيها تنازلات كثيرة و لكنه أمر من الله:
على أن الصحابة تضايقوا وتألَّموا و أحبطوا، وشعر أحدهم أنه لم يعتمر، ولم يطف بالبيت، وعاد خائبًا، وأن الصلح بنوده ليست في صالح المسلمين، فيها تنازلات كثيرة جدًا، ولكن النبي قال: أنا عبد الله ورسوله، أفعل ما يأمرني الله به. ثم جاء قوله تعالى: