إنّ الإنسان إذا شعر أن خالق الكون راضٍ عنه، هل هناك شعور أعلى من هذا الشعور؟ .."إن الله راضٍ عن أبي بكر".. هكذا أخبر النبي الصدّيقَ رضي الله عنه، ماذا شعر أبو بكر؟ وحينما قال النبي الكريم لسيدنا معاذ:"والله يا معاذ إني لأحبُّك"، من هذا الذي يحبُّه؟ رسول الله، وحينما دخل سعد على النبي الكريم قال:"هذا سعدٌ هذا خالي أروني خالًا مثل خالي"، بماذا شعر هذا الصحابي الجليل؟ حينما قال لسعدٍ في بعض المعارك:"ارم سعدٌ فداك أبي وأمي"، إذا أنت كنت تعيش بعصر وإنسان له شأن ومكانة فأكرمك، أو رفع من شأنك، أو خصّك بتحية أو بابتسامة، خصَّك ببطاقة، خصَّك بدعوة، تجد نفسك لفترة طويلة تملأ الدنيا ضجيجًا بهذا اللقاء، وبهذا التكريم، فكيف إذا كان خالق الكون راضيًا عنك؟ كيف إذا شعرت أن الله يحبُّك؟ من بيده ملكوت السماوات والأرض، فسعادتك مجنحة ولا توصف، كل علاقاتك مع البشر علاقات محدودة، والإنسان ضعيف، فلو أن أحدًا أكرمك بكلماتٍ معسولة، أو أنه قرَّبك، فماذا عنده؟ إنه فقير مثلك، لكن الخالق العظيم إذا قرَّب الإنسان، أو إذا طمأن الإنسان، أو إذا تجلَّى على هذا الإنسان، فملأ قلبه سكينةً، أو ملأ حياته سعادةً، أو أودع محبَّته في قلوب الخلق، حتى جعل أعداءه في خدمته، فبماذا يشعر هذا الإنسان؟ إن شعوره التيه والاعتزاز و السلامة.
والله أيها الأخوة ... إنّ الإيمان يورث المرء سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها، وفي البعد عن الله شقاء لا يعرفه إلا من ذاقه، قال له:"يا بني ما خيرٌ بعده النار بخير، وما شرٌّ بعده الجنَّة بشر، وكل نعيم دون الجنَّة محقور وكل بلاءٍ دون النار عافية". لذلك عندما قال الشاعر:
فليتك تحلو والحياةُ مريرةٌ ... وليتك ترضى والأنامُ غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامرٌ ... وبيني وبين العالمينَ خرابُ
وليت شرابي من ودادِك سائغٌ ... وشربي من ماءِ الفراتِ سرابُ