فعلًا لأن الإنسان، أي إنسان، يحب ذاته، يحب وجوده، يحب استمرار وجوده، يحب كمال وجوده، يحب سلامة وجوده، فكل إنسان بحسب تصوره المحدود، يظن أنه وصل إلى أعلى العُلا، أما لو اطَّلع الإنسان الكافر على نعيم المؤمنين، على مشاعر المؤمنين، على ما أعدّ الله للمؤمنين، لاحتقر نفسه، فمثلًا شخص ما أكل في حياته عسلًا، أكل دبسًا فقط، فإنه يقسم بالله: أن أطيب أكلة حلو بالأرض هي الدبس، هو صادق حسب واقعه، لكن لأنه لم يأكل عسلًا، فكلامه غلط، إن الكافر مادي، مقياسه الدنيا: بيت، دخل، مال، طعام، نساء، رحلات، سفر، حفلات، هذا مقياسه، ما ذاق طعم القرب من الله عز وجل، ما ذاق طعم السكينة، ما ذاق طعم الاتصال بالله، ما ذاق شعور:"أنه في خدمة خلق الله"، هذا الشعور ما ذاقه، ما عرف ماذا بعد الحياة، هو غارق في حياة مادية محضة، فبذهنه أنه هو سَبَقَ المؤمنين، والمؤمنون في تصوُّره دراويش (أي جدبان) هكذا يظنهم، هو الفَهِمُ فقط: أكل مالًا حرامًا، وركز وضعه الاجتماعي والمادي، ووصل إلى أعلى المراتب، وظن نفسه أذكى الناس، بينما في الحقيقة هو أغبى شخص، لأنه يوم القيامة سوف يدفع الثمن باهظًا.
بطولة الإنسان الكبرى أن يأتيه الموت و هو مستعد للقاء الله عز وجل:
دائمًا أقول لكم من يضحك أوّلًا يبكي كثيرًا، ومن يضحك آخرًا يضحك كثيرًا، بطولتك لا أن تضحك أوّلًا، البطولة أن يأتي ملك الموت وأنت في طاعة الله، وأنت مستعد للقاء الله عز وجل، وأنت قد أمضيت كل شبابك في طاعة الله، أمضيت كل وقتك في خدمة الخلق، في معرفة الله، في القيام بأمره ونهيه، هذه هي البطولة، لهذا يقول سيدنا عليٌ: الغنى والفقر بعد العرض على الله، قال تعالى:
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11)