هذه العدالة، لو عاملهم فظلمهم، وحدَّثهم فكذبهم، ووعدهم فأخلفهم سقطت عدالته، لكن هناك أشياء لا تسقط العدالة ولكنها تجرحها؛ فأكل لقمةٍ من حرام يجرح العدالة، تذوق لقيمة تبلغ ربع أوقية، وسأل البائع: بكم الكيلو؟ ولم يشتر، أكل لقمة من حرام تجرح العدالة، تطفيف بتمرة يجرح العدالة، مَن مشى حافيًا جرحت عدالته، مَن بال في الطريق جرحت عدالته، مَن أطلق لفرسه العنان، السرعة العالية، تجرح العدالة، مَن قاد برذونًا مخيفًا تجرح عدالته، مَن تنزَّه في الطريق ليملأ عينيه من محاسن النساء، أو مقاهي الرصيف تجرح عدالته، مَن صحب الأراذل تجرح عدالته، مَن علا صياحه في البيت تجرح عدالته، مَن تحدَّث عن النساء، وعن أشكالهن، وعن ألوانهن، وأطوالهن، وطباعهن، وكان مغرمًا بهذا الحديث تجرح عدالته، فلذلك العدالة والضبط صفتان أساسيتان في المسلم، الضبط صفة عقلية، والعدالة صفة نفسية.
على الكاتب أن يكون عدلًا وإذا كتب فينبغي أن يكتب بالعدل:
قال تعالى:
{وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ}
يجب أن يكون الكاتب عدلًا، وإذا كتب فينبغي أن يكتب بالعدل، فالباء باء بالعدل، متعلقة تارة ليكتب بالعدل، وتارة كاتب بالعدل ..
{كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ}
الذي ينبغي أن يملي هو الذي عليه الحق.
{وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا}
الكاتب يكتب، هو عدلٌ، يكتب من دون زيادة، ومن دون نقصان.
{وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ}
إذا دُعِيَ الكاتب إلى الكتابة ينبغي أن يكتب، وإذا دعي الشاهد إلى الشهادة ينبغي أن يشهد، هذا واجب ديني.
الكاتب ممنوع أن يأبى والشاهد ممنوع أن يأبى الشهادة:
لكن يقول الله عز وجل بعد حين:
{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}