والشيء الذي يلفت النظر هو أن الإنسان قد يؤتيه الله في الدنيا طلاقة لسان، وقوة بيان، ونصاحة حجة، قد يستطيع قلب الحق باطلًا، وقلب الباطل حقًا، قد يستطيع أن ينتزع إعجاب من يستمع إليه، وأن يقنع الناس، هذا الذي سماه بعض الصحابة جدلًا، قال كعب بن مالك: لقد أوتيت جدلًا، يعني عندي قوة إقناع، ولو أردت أن أسترضي رسول الله ليوشكن الله أن يسخطه عليّ، عرف أن الله بيده كل شيء، قال: فأجمعت صدقه، فحينما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سرّ تخلفه عن غزوة تبوك قال: والله يا رسول الله إني أوتيت جدلًا، ولكنني لم أكن في وقت من الأوقات أنشط مني ولا أقوى في الوقت الذي تخلفت فيه، فالنبي عليه الصلاة والسلام أكبر صدقه، وقال: أما هذا فقد صدق، سمع من خمسة وثمانين رجلًا مختلقًا أعذارًا، وقبلها منهم وسكت عنهم، أما هذا الصحابي فقال عنه: أما هذا فقد صدق، لذلك الصدق منجاة، والكذب مهواة.
يعني أشعر أن الآية لها ظلال كثيرة:
{أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) }
قلبك بيده، عينك بيده، الشبكية بيده، مركز البصر في الدماغ بيده، نمو الخلايا بيده، ضيق الشرايين بيده، عمل الكلية بيده، يقال فشل كلوي أخطر من مرض القلب، تشمع الكبد بيده إن توقَّف الكبد انتهى أجله وليس هناك أمل إلا الموت، فالإنسان ماذا يملك؟ والله لا يملك شيئًا، فأي عضو في جسده لو تعطل قلَبَ حياته إلى جحيم، هذه الأعضاء ليست بيدك، الله عز وجل قال:
{قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ}
(سورة آل عمران 26 (