في هذا إشارةٌ دقيقة إلى أن النبي بشر تقوم حياته على تناول الطعام، إذًا هو مفتقرٌ في وجوده وفي استمرار وجوده إلى تناول الطعام والشراب، ثم إنه مفتقرٌ مرةً ثانية إلى ثمن الطعام، ولا بد من أن يمشي في الأسواق كي يحصِّل ثمن الطعام، هذا هو البشر، مفتقرٌ مرتين مرةً إلى الطعام ثم إلى ثمنه، لا بد من أن يأكل ويشرب، ولا بد من أن يعمل، ونحن مقهورون بالعمل؛ نعمل من أجل أن نأكل، ثم نعمل من أجل أن نتزوج، ثم نعمل من أجل أن نؤكِّد ذاتنا. فهذا الذي يأكل الربا بنى مجده على أنقاض الناس، وبنى غناه على فقرهم، وبنى عِزَّه على ذلهم، ويوم القيامة يوم العدل، يوم الحق، يوم الدينونة، يوم توفى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون، فحينئذٍ تكشف الحقائق:
{فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}
[سورة ق: 22]
الذين يأكلون الربا يأكلون ما ليس لهم بحقٍ أن يأكلوه:
الناس في الدنيا نيام إذا ماتوا انتبهوا، حينما تزاح عنه الشهوات، وقد قال الله عزَّ وجل:
{وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ}
[سورة سبأ: 54]
لا شهوة طعامٍ، ولا شهوة جنسٍ، ولا شهوة علوٍ في الأرض، واجه الحقيقة، كُشِف عنه الغطاء فإذا هو قد أشقى الناس من أجل أن يغتني، هو أكل ولا عليه أن يجوعوا، ونمت أمواله واغتنى ولا يضره أن يكونوا بؤساء فقراء.
والإنسان كما ذكرت لكم سابقًا أيها الأخوة يمر بمرحلة همه أن يكسب المال، ثم تكون مرحلة أخرى يصبح همه فيها جمع المال وتكديسه، لذلك قال تعالى:
{وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}
[سورة آل عمران: 157]