قال النبي عليه الصلاة والسلام كلمة لو دقَّق الإنسان في مضمونها لذابت نفسه حبًا بهذا النبي الكريم، قال له:"يا عمر إنه شهد بدرًا". أي إن النبي عليه الصلاة والسلام لشدَّة وفائه ورحمته ما أراد أن يهدِر عمل هذا الصحابي، قال:"يا عمر إنه شهد بدرًا"قال:"يا حاطب ما حملك على ما فعلت؟". قال:"والله يا رسول الله لا كفرت ولا ارتددت ولكن ليس لي يدٌ عند قريش ولي هناك أموال، فخشيت أن يأخذوا أموالي وأن يؤذوا أهلي، وأردت أن يكون لي عندهم هذه الصنيعة، والله ما كفرت ولا ارتددت، واغفر لي ذنبي يا رسول الله". فقال عليه الصلاة والسلام: إني صدَّقت ما قاله حاطب فصدِّقوه ولا تقولوا فيه إلا خيرًا، قال كُتَّاب السيرة: إن عمر بن الخطَّاب نظر إلى الذنب فرآه خيانةً عظمى ولكن النبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى صاحب الذنب فرآها لحظة ضعفٍ طارئة، فبدل أن يسحقه مدَّ يده وأنهضه من كبوته. وهذا الصحابي الجليل قام من كبوته، وجدَّد إيمانه، وتألَّق في عهد النبي، وبعثه النبي بعد حين مبعوثًا شخصيًا له إلى بعض الملوك، تجاوز العقبة.
إخواننا الكرام هذه الآية دقيقة جدًا:
{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ (40) }
فأحيانًا عفوك عن أخيك تعطيه معونةً على أن يلتزم الحق وعلى أن يستقيم. وأنا أعرف رجلًا (سمعت هذه القصَّة ممن أثق به) عاش في الأربعينات في هذه البلدة، خطيب مسجد من الخطباء اللامعين رأى النبي عليه الصلاة والسلام، قال النبي له في الرؤيا:"قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنَّة". جاره سَمَّان، فهذا الخطيب اللاَّمع تأثَّر، وطرق باب جاره وقال له: لي عندك كلامٌ قليل، دخل إلى البيت وقال له: لك عندي بشارةٌ من رسول الله، ولكنني والله لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني بماذا فعلت.