فأنت حينما تستشير ماذا تفعل؟ تستعير عقل أخيك الإنسان، لك أخ له أربعون سنة خبرات في البيع والشراء، فأنت إذا استشرته استعرت كل خبرته بلا مقابل، فالمؤمن يستشير في كل عمل يُقْدِمُ عليه ويسأل أهل الخبرة من المؤمنين.
عدم استبداد المؤمن برأيه:
في معنى أوسع من ذلك: المؤمنون ليس بينهم من يستبد برأيه. فشاءت حكمة الله أن تجري هذه الحادثة في عهد النبي، ليقف النبي عليه الصلاة والسلام الموقف الكامل من أصحابه: وحين أنزل النبي عليه الصلاة والسلام جيش المسلمين في موقعة بدر في مكانٍ ما، جاءه صحابيٌ جليل اسمه الحُباب بن المنذر (أي أن هذا الصحابي في أعلى درجات الحب، وفي أعلى درجات الأدب، والغيرة على المسلمين فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وأنا أقول: يقطر أدبًا ويقطر تواضعًا) قال:
"يا رسول الله أهذا الموقع وحيٌ أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمشورة؟"قال عليه الصلاة والسلام:"بل هو الرأي والمشورة"قال:"يا رسول الله ليس بموقع"ماذا فعل النبي؟ هل غضب منه؟ لا. وهل أبعده؟ لا. وهل قال: اغرب عن وجهي تجرَّأت علي؟ لا أبدًا بل قال له:"الرأي والمشورة"قال:"يا رسول الله ليس بموقع". لذلك أعطى النبي أمره للجيش أن يستقرَّ في الموقع الذي أشار عليه الحُباب.
لماذا شاء الله أن تقع هذه الحادثة؟ كان من الممكن أن يوحي الله لنبيِّه الموقع المناسب وحيًا عن طريق جبريل، لأن جبريل جاءه في آلاف المرَّات بموضوعاتٍ أقل من هذا الموضوع، وكان من الممكن أن يلهمه المكان المناسب، لكن شاءت حكمة الله أن يكون هذا الأمر على ما كان ليقف النبي الموقف الكامل ممن نصحه، وليُعَلِّم النبي أصحابه، وأمَّته من بعده، والدعاة إلى الله من بعده، والأمراء المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصحةً متوادون، أي إذا جاءك إنسان مخلص ناصح فأصغِ إليه، واشكره وأعطه أذنًا صاغية، تفهَّم نصيحته، فهذه صفات المؤمنين ..
{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (38) }