أي أن هؤلاء المؤمنين يهربون لا من المعصية بل من أسبابها، وهناك مثل دقيق أضربه دائمًا: الشهوة تشبه صخرة في قمة جبل، فأنت مخير أن تدفعها إلى الوادي أو أن بقيها على قمة الجبل، لكنك إذا دفعتها لا تقف إلا في قعر الوادي، فإذا دفعتها قليلًا ورجوت أن تبقى في مكانٍ متوسط لا تستطيع.
فأنت مخير، أن تبتعد عما يقربك من الزنى، فإذا اجترأت وجلست في جلسة مختلطة وخلوة، وصاحبت الأراذل فهذا الأمر ينتهي بك إلى الفاحشة، ولذلك فالشريف هو الذي يهرب من أسباب الخطيئة لا من الخطيئة نفسها، إذًا هذا معنى الاجتناب، فالمعصية لها قوة جذب، إذًا لابد من أن تجعل بينك وبينها هامش أمان.
الإيمان والقرآن قيَّدا المؤمن عن كثيرٍ من هوى نفسه:
{وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) }
أي أنه ملك نفسه عند الغضب، فالإنسان المؤمن يملك نفسه ولا تملكه، فالإيمان قَيْد، والقرآن قيَّد المؤمن عن كثيرٍ من هوى نفسه، والإنسان ليس دابة يفلت كما يريد، فمن يقول: لا أقدر. فمن أنت حتى لا تقدر؟ ومعنى ذلك أنك لست إنسانًا، وكل إنسان يقول: لا أقدر. فعنى ذلك أنه ليس إنسانًا، فالإنسان يتميز بالسيطرة على أعضائه، وعلى جوارحه، وعلى ملكاته.
{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) }
وفي درسٍ قادمٍ إن شاء نتابع شرح هذه الآيات.
والحمد لله رب العالمين