كل شرع يضعه إنسان (دقِّقوا) إما أنه ينطلق من جهلٍ كلي، وهذا أسوأ شيء، أو من جهلٍ جُزئي، ومعنى جهل جزئي أي أن هذا القانون يحتاج إلى تعديل، أحضروا لي قانونًا وضعه إنسان على مرّ الزمان، إلا وصار تعديلاته أضخم من متنه بعشرات الأضعاف، وأحيانًا يكبر بدرجة معقَّدة بحيث يعجز عقل المحامي عن استيعاب القوانين، فتغدو متاهات، لأن التشريع فيه قصور في التعبير، والتقدير أحيانًا، وفي ملاحظة الجوانب كلها، وفي النظرة الشموليَّة، وفي معرفة طبيعة النفس، فيأتي التشريع ناقصًا، والخلل لا يظهر في البداية بل يظهر عند التطبيق، فصار فيه خلل كبير، نعدِّل فيه تعديلًا أولًا وتعديلًا ثانيًا، وبعد ذلك يصير فيه تعديلات غير معقولة، فيعود الأصل هو التعديل، والشواذ هو الأصل والأصل صار شواذًا، فيُلغى كلُّه، وهذا هو التشريع البشري.
الحياة الدنيا تجسيدٌ لما تنطوي عليه النفس والثواب في الآخرة:
لذلك أيها الأخوة عندما تطبِّق شرع الله عزَّ وجل لا يمكن أن تقع في ضياع إطلاقًا، ولا خطأ، ولا شقاء، ولا إحباط، ولا مشكلة.
فأحيانًا القانون البشري يضع عقوبات تدمِّر المجتمع أكثر من مخالفة هذه القوانين، كما قال الشاعر:"داويت متئدًا وداووا طفرةً". وأحيانًا يكون الداء أقل من الدواء، فالتشريع يكون غير معقول، والعقاب لا يتناسب مع الجرم، إنه جرم صغير محدود وعقاب مدمّر يشمل الحياة بأكملها، فهذا من خصائص التشريع الإنساني، وأنا أقول: حتى في البلاد المتقدِّمة، هناك تشريعات مضحكة ولا تصدَّق ..
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ (21) }
لكن الله سبحانه وتعالى كان من الممكن أن يفصل بين الناس ..
{وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ (21) }