فهرس الكتاب

الصفحة 16776 من 22028

لكن من عظمة الخالق أن هذه الزيادة تكون بتدريجٍ شديد، وهذا النقصان يكون بتدريجٍ شديد، وفد عبَّر الرياضيون عن هذه الحادثة بالتسارع والتباطؤ، فتسارع الأرض لو كان عاليًا لانهدم كل ما عليها، وتباطؤ الأرض لو كان عنيفًا لانهدم كل ما عليها، لكن الله لطيفٌ بعباده (هذا المعنى التقريبي للطف) ، أي أن الله عزَّ وجل يقود عباده إلى مصالحهم الدنيويَّة والدينيَّة برفق.

لو جاء القرآن في أول آية منه يحرِّم الخمرَ، والخمرة في دم العرب في الجاهليَّة، لرفضوا هذا الدين كلَّه، فالموضوع مُجَمَّد عرَّفهم بذاته من خلال الكون، ودعاهم إلى الاتصال به، وبيَّن لهم أنه لا يليق بكم أن تُصلُّوا وأنتم في سُكرٍ شديد، ثم مرحلة بعد مرحلة بعد مرحلة:

{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}

(سورة المائدة: من آية"90"(

إذًا فالله كان لطيفًا في تحريم الخمر، فالتعريف الدقيق للطف الإلهي: أن الله سبحانه وتعالى يقود عباده إلى مصالحهم الدنيويَّة والأخرويَّة برفقٍ، ولطفٍ، وتدريجٍ، ويسرٍ من دون أن يشعروا بعنف الصدمة.

وهذا هو المنطلق، أي أن الله لطيف، فقد يكون الإنسان مليئًا بالنقائص والانحرافات، فيعالجه مرَّةً تلو المرَّة، يعالجه ويريحه فينتعش، ثمَّ يظهر له نقيصة ثانية ويأتي التأديب عليها، فيتذلَّل ويتوب ويعود إلى الله، فيريحه لفترة، الثالثة، وتمضي عشر سنوات، إلى عشرين سنة كان كتلة نقائص فصار مجموع كمالات دون أن يشعر. فالتطهير السريع العنيف مُهلك، وقد وصف أحمد شوقي النبيَّ عليه الصلاة والسلام فقال:

داويت متئدًا وداووا طَفرةً وأخفُّ من بعض الدواءِ الداء

معالجات الله للإنسان لطيفة كي تقوده إلى ما يجب أن يكون عليه:

أحيانًا يكون الدواء أصعب من الداء، وأكثر إيذاء للنفس من الداء نفسه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت