أي إذا لم يدخَّل الإنسان الآخرة في حساباته اليوميَّة. إذ كل واحد منَّا يدخل بحساباته أشياء كثيرة، يدخل في حساباته أن هذه المادَّة يمكن أن يسمح باستيرادها، يقول لك: أخذت على الخفيف، أنا صاح، تجد التاجر كل قضاياه واضحة في ذهنه، فلماذا الأمور الأخرى ليست واضحة الوضوح نفسه؟ ولماذا لا تدخل الآخرة بحساباتك اليوميَّة؟ كيف سأواجه ربي وهذه الحاجة ليست لي، اغتصبتها اغتصابًا؟ كيف أواجه ربي وأنا أدلِّس في البيع والشراء؟ أبيع مواد غذائيَّة وفيها مواد مسحوب خيرها؟ حليب ليس فيه دسم أبدًا وأبيعه كامل الدسم، والأطفال كلهم صغار لا يعرفون، كيف سأنام مساءً؟.
أنا والله أعجب، والله أيها الأخوة أعجب ممن ينام الليل ومتلبِّس بحقوق العباد، أو له انحرافات، أو آكل حقوقًا ليست له، فكيف تنام؟ والديَّان لا يغفل ولا ينام، فأبدًا إذا كان للعلم مؤشِّر، فالمؤشِّر الخوف معه تمامه، وكلَّما ازداد علمك ازداد خوفك من الله.
رويت لكم سابقًا أنَّ أحدهم قال لي: أنا لا أخاف من الله (طالب أرعن) قلت له: معك حق يا ابني. هو استغرب كيف هذا؟ طبعًا أحيانًا يأخذ الفلاح معه على الحصيدة، ابنه عمره سنتان، يضعه بين القمح يمر ثعبان كبير فيمسكه، ولا يخاف الطفل الصغير، لأنه لا إدراك عنده، وأما لو رآه رجلًا يقفز من خوفه، أما إذا رآه طفل صغير فلا يخاف منه، بل يلمسه. فالخوف يتنامى مع الإدراك.
فالطبيب يعرف الجراثيم، وأحيانًا يعرف مضاعفات شيء غير مغسول، فتجده على الفور يغسل، ويعتني، لأنه يرى حالات مرضيَّة، وإنتانات، وعدوى، وأمراضًا، فأبدًا يتنامى الخوف مع العلم، فالعلم هو مفتاح كل شيء ..
{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) }
(سورة طه)
إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معًا فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلَّك فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئًا.