فالشيء الطبيعي المنطقي المعقول أن تطيعه، تعصيه وأنت في ملكه؟! أم تعصيه وأنت في قبضته؟! أم تعصيه وإليه مصيرك؟! وكيف تعصيه وقد خلقك؟ ويعلم سرَّك وجهرك؟ ولا يعزب عنه شيءٌ من أمرك؟!!
ورد في بعض الأقوال عن سيدنا بلال فيما أذكر:"لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت". فالإنسان حينما يعصي الله عزَّ وجل يجترئ على خالق السماوات والأرض، كأنه يستهين بمراقبة الله له، كأنه يستهين بوعيد الله له، ويستهين بهذا الشرع العظيم الذي أُنزِل من أجله، فلذلك كلمة له في قوله تعالى:
{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (4) }
أي أنت في ملكه. وكل أعضائك في ملكه؛ عينك في ملكه. وهناك رجل نال شهادة عُليا من بلد أجنبي، وعُيِّن في منصب رفيع جدًاَ، ولحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل فَقَدَ بصره، أجرى عمليَّة أو عمليتين، انتهت العمليتان بفقد بصره، ولقد جاءه البريد إلى البيت خلال شهر مع موظَّف يقول له: يا سيدي هذه المعاملة كذا وكذا، ما توجيهك؟ يقول له: موافق أو غير موافق، ثم سُرِّحَ من منصبه، يقول لأحد أصدقائه: والله يا فلان أتمنَّى أن أجلس على الرصيف أتكفَّف الناس، وليس على كتفي إلا هذا الرداء، وأن يُردَّ إليَّ بصري.
الإنسان كلَّما ارتقى يتعرَّف إلى نعم الله بوجودها لا بفقدها:
عينك بملكه، والأذن بملكه، واللسان بملكه، والعقل كذلك ولماذا وزَّع الله هؤلاء المختلين في أكثر أماكن البلد؟ بكل منطقة يوجد واحد منهم مختلًا عقليًا، ما فائدة ذلك؟ من أجل أن تعرف نعمة العقل، كيف أن عقلك برأسك متوازن، تتكلَّم الكلمة المناسبة، تتحرَّك الحركة المناسبة، تقف الموقف الملائم، هذا دليل أنه يوجد عقل برأس الإنسان، لو لم يكن هناك عقل برأسه لأصبح أضحوكةً بين الناس، إذًا يا ربي عرَّفنا نعمك بكثرتها لا بزوالها. الإنسان كلَّما ارتقى يتعرَّف إلى نعم الله بوجودها لا بفقدها.