كأن هذه السورة (سورة الشورى) تلحُّ على موضوع الوحي، وموضوع الوحي يقودنا إلى مقدِّمةٍ يسيرة، وهي أن في العالَم عالَم الشهود وعالَم الغيب، فعالم الشهود ما يتصل اتصالًا مباشرًا بحواسِّنا، فالشيء قد تراه بعينك، أو قد تسمع صوته بأذنك، أو تشم رائحته بأنفك، أو تلمسه بيدك، فعالَم الحِس هو عالَم الشهود، وسبيل معرفة عالم الحس هو الحواس، فبالحواس نتعرَّف إلى عالم الحس، وما سُمِّيَ عالم الحس إلا لأن الحواس هي سبيل معرفته، لذلك فهناك اليقين الحسي، أي اليقين الذي يعتمد على الحواس في معرفة ما حول الإنسان.
ولكن كل شيءٍ غاب عنك أيها الإنسان هو عالم الغيب، فقد غاب عن حواسِّك، ولا سبيل إلى معرفته إلا بالخبر الصادق، فنحن الآن أمام عالمين، عالم الحس وعالم الغيب، فعالم الحس نتعرَّف إليه من خلال الحواس، وعالم الغيب نتعرَّف إليه من خلال الخبر.
وبشكلٍ مبسِّطٍ جدًا: لو أنك في زيارة صديقٍ لك في بيته، الغرفة التي أنت فيها هذه بالنسبة إليك عالم الحس، لأنك تشاهد ما فيها؛ من أثاث، ومن ثريَّا، ومقاعد، وأدوات، وتزيينات. لكن الغرفة التي إلى جوارها بعيدةٌ عن حواسِّك ولا تعلم عن مضمونها، وعن موجوداتها إلا من خلال إخبار صاحب البيت.
الشيء الذي يعجز عقل الإنسان عن إدراكه الله تعالى أخبره به:
فأنت أمام شيئين: إما أن تتصل بعالم الحس من خلال الحواس، وإما أن تتصل بعالم الغيب من خلال الخبر، فهذا شيء مبسَّط جدًا. فالشيء إذا ظهرت عينه فسبيل معرفته اليقين الحسي، إلا أن هناك شيئًا بين الحالتين إن شيءٌ غابت عينه وبقيت آثاره، فسبيل معرفته هو الاستنباط العقلي، فلو رأيت وراء الجدار دخانًا، والعقل لا يفهم الشيء إلا بسبب فتقول: لا دخَّان بلا نار، فيقينك بأن هناك نارًا خلف الجدار فهذا يقين استدلالي و ليس يقينًا حسيًا.