طبيعة النفس هكذا، لا ترتاح إلا لما جاء في القرآن الكريم، لذلك إخواننا الكرام، المؤمن حينما يتوب إلى الله عزَّ وجل ـ ولست مبالغًا في هذا القول ـ يشعر كأن جبالًا قد أُزيحت عن كاهله، لأنه وجد نفسه، ارتاحت فطرته، اطمأنَّ عقله، انسجم الواقع مع العقل والفطرة مع النقل، هذا الحق، الحق الذي قامت من أجله السماوات والأرض، والذي دعا إليه الأنبياء السابقون ونبيُّنا عليه الصلاة والسلام، الحق هو الله، الكون من خلقه، والقرآن كلامه، والفطرة هو الذي فطرنا عليها، والواقع هو الذي خلقه، هذا الانسجام بين الواقع والفطرة والعقل والنقل هو أجمل ما في الحق، ليس في حياة المسلم اثنيْنيَّة، ولا ازدواجيَّة، ولا تناقض، ولا تنافر، ولا تباعد، ولا تشتُّت، ولا تمزُق، والإنسان أحيانًا يتمزَّق فيقول لك: شيء يحيِّر، إن اقتنعت بهذا الرأي نقضت هذا الرأي، وإن اقتنعت بهذا الرأي نقضت هذا الرأي، إن أرضيت زيدًا أغضبت عبيدًا، وأصعب ما في الحياة هذا التمزُّق، لكن أجمل ما في الدين ذاك الانسجام.
حياتك ما فيها اثنينيَّة أبدًا، دنياك وآخرتك واحدة، مهنتك وعبادتك واحدة، تعبد الله في مهنتك، في حرفتك، في نصح المسلمين، وتعبده ثانيةً في مسجدك، إن عملت، وكسبت الرزق لأهلك فأنت في عبادة، وإن أتيت المسجد، واستمعت إلى درس العلم فأنت في عبادة، فالعبادة واحدة.
إذًا:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ}
أي ممتنع عن أن يُحاكى، يمتنع عن أن يُقلَّد، يمتنع عن أن يؤتى بمثله، عزيزٌ لا مثيل له، ما من كتابٍ على وجه الأرض يمكن أن ينقضه لا سابقًا ولا لاحقًا، هذا معنى:
{لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}