هذه الآية دقيقة المدلول جدًا، الإنسان أحيانًا تتضارب مصالحه مع الهُدى، يتوهَّم أنه لو اهتدى لفَقَد مكانته، أو فقد منصبه، أو فقد دخله الكبير، له دخل مشبوه، لو أنه تاب إلى الله من هذا العمل لفقد دخله، لو أنه تابع النبي عليه الصلاة والسلام لفقد زعامته، هناك أشخاصٌ أقوياء أو أغنياء يتوهَّمون أن مصالحهم تتناقض مع اتِّباع الهدى، لذلك يلجؤون إلى ردِّ الهدى، إلى تكذيب الدعوة، إلى الحديث عن أغلاطها، عدم منطقيَّتها، هذا سمَّاه الله الجَدَل، فالكلام الباطل هو الذي ليس رجل انم يقف عليهما، وليس عليه دليل ولا منطق، ولا واقعية، خلا من كل حقيقة، هذا الكلام المبني على أدلَّة واهية، وعلى لقطات مفتعلة وفيها طعن في الدين، هذا الكلام سمَّاه الله في القرآن الكريم جدلًا ..
{وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا (54) }
(سورة الكهف)
لأن أساس حياته شهوته، فإذا دعوته إلى الدينٍ، والدين طبعًا يحدُّ من شهوته، فإنه يرفض هذا الدين، كيف يرفضه؟ يدَّعي أن هذا الدين كذب، يدَّعي أنه سِحر، يدَّعي أنه كِهانة، يدَّعي أنه خيالات، يدَّعي أنه أوهام، يدعي أنه غيبيَّات، فما يقوله أعداء الدين من أن الدين غيبيَّات، أو أوهام، أو مشاعر نفسيَّة مرضيَّة، أو شعور بالضعف أمام قوى الطبيعة، هذا الذي يقوله أعداء الدين ما هو إلا جدل، والسبب أنهم توهَّموا أن اتباع الهدى يحدُّ من شهواتهم، وأن اتباع الهدى يقيِّدهم، أو أن اتباع الهدى يفقدهم مراكزهم، أو أن اتباع الهدى يفقدهم دخلهم الكبير، لذلك يلجؤون إلى محاربة الدين، ويلجؤون إلى الطعن بالدين، وإلى تفنيد حقائق الدين، كما يلجئون إلى أدلَّةٍ واهيةٍ متداعية، فماذا قال الله عزَّ وجل في شأن هؤلاء؟ لقد قال سبحانه:
{إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ}
2 ـ الجدال بغير حُجّةٍ طمعا في المكانة العليّة: