هنا الطير، تجد طائرًا ولد لتوِّه وقد عصبت عيناه ونقل إلى الهند، فإنه يطير ويعود إلى بريطانيا وقد وُلِد الآن، فكيف تمَّ هذا؟! طائر يقطع سبعة عشر ألف كيلو متر في رحلةٍ من شمال الأرض إلى جنوبها، فكيف يعود إلى عشه؟ طيور تجدها في الشام، تهاجر في الشتاء إلى جنوب إفريقيا، وفي العودة لو انحرفت درجة واحدة لدخلتْ مصر، فكيف تعود إلى دمشق؟ وإلى حي الصالحية؟ وإلى حي الشيخ محي الدين؟ وإلى بيتٍ من بيوت عشها الذي تركته؟ من يسيِّرها؟ الله جل جلاله، هذه هي الحياة.
سمك السلمون يولد في أعالي الأنهار في أمريكا، ويهاجر إلى المحيط الأطلسي إلى شواطئ أوروبا، ويعود هذا السمك إلى مسقط رأسه ليموت هناك، فهذه الرحلة؛ من ساحل فرنسا إلى الغرب، لو انحرف درجة واحدة لكان في جنوب أمريكا بل صار في شمالها، إلى النهر الذي خرج منه، وهناك أسماك بمنابع النيل تسير برحلة طويلة جدًا، وتسير في أطول نهرٍ من أنهار العالم نهر النيل، إلى البحر المتوسط، وتتجه غربًا إلى أن ينتهي البحر المتوسط، وتخرج من مضيق جبل طارق نحو الشمال إلى بحر المَانش، ثم إلى بحر الشمال، ثم تعود، فرُبَّانٌ يحمل شهادة الدكتوراه بالملاحة يضيع بدون بوصَلَة، فهذه الحياة.
مَن يهدي الأطيار؟ ومَن يهدي الأسماك؟ ومَن يُخرج من بذرة شجرةً؟ تأكل تينةً، كم بذرة فيها؟ كل بذرة يمكن أن تكون شجرة، فهذا النبات، خمس غرامات من بذور البندورة تعطي عشرة أطنان، فكل بذرة تعطي مليوني ضعف، فهذه الحياة، بذور وجدت داخل أهرامات مصر، زرعت بعد ستة آلاف عامٍ فنبتت، إذ فيها رشيم حي، أما النمل فحينما يخزن البذار ليكون زادًا له في الشتاء يأكل الرشيم، فإذا أُكل الرشيم ماتت البذرة، فالرشيم يعيش ستة آلاف سنة ثم ينبت!!
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ}
الحياة لا تتسع لها مجلَّدات، ولا دروس في سنوات ..
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ}