فهرس الكتاب

الصفحة 16023 من 22028

أراك أحيانا تقول لي: أنا مؤمن، إلاّ أنني لا أراك متميًزا عن بقية الناس، فأنت تخاف إذا خافوا، وتحزن إذا حزنوا، وتفزع إذا فزعوا، وتنهار أعصابك إذا انهارت أعصابهم، وتشعر بالقهر كما يشعرون، وتشعر بالحيف والظلم كما يشعرون، وأنه لا أمل لك في الخلاص، وأن المستقبل مُظلم كما يخيِّم على الناس هذا الشعور السوداوي أفأنت مؤمن بعد كل هذا؟!! لا ورب الكعبة، أنت تكون مؤمنًا؛ إذا علمتَ حقًّا أنَّ الأمر كلَّه بيد الله، وأن يدَ الله فوق أيديهم، مؤمن بأنه لا يقع شيءٌ في الكون إلا بعلم الله ومشيئته، مؤمن بأن كل ما يجري وفق عدالةٍ مطلقة، عرفت طرفًا منها، وغابت عنك أطرافها الأخرى ـ هذا المؤمن ـ أنت مؤمن إذا علمت أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يقضي لعباده إلا بالخير، مؤمن بأن الله عزَّ وجل حينما قال:

{تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ}

(سورة آل عمران: من الآية 26)

فإن أيقنت حقيقة ما تضمنته الآية كنت مؤمنا.

إن الله تعالى لم يقل: والشر، بل قال: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} ، لأن إيتاء المُلك ونزع الملك، والإعزاز والإذلال خيرٌ مطلق، وما كلمة شر إلا مفهومٌ نسبي، فإذا رأى الأب ابنه على مشارف الامتحان يلهو بلعبةٍ، وربَّما ضيَّع مستقبله بأكمله أو على الأقلّ عامه الدراسي، فإذا حطَّم الأب هذه اللعبة لإدراكه بخطورة هذا الامتحان، فتحطيم اللعبة في نظر العقل القاصر شر، أمَا هو في نظر الأب فمحض خير.

فربنا عزَّ وجل يضحِّي بالأموال، يضحي بالمُمْتَلَكَات أحيانًا، يضحي بحريِّة الإنسان، و كأنه يقول لك أحدهم: بقيتَ عشر سنوات في معاناة قاسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت