ما دام الأمر كلُّه بيد الله؛ لا حركة، ولا سكنة، ولا فعَّال إلا الله، الذي أراده الله يقع، والذي لم يرده لا يقع، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، الذي وقع أراده الله، وإرادة الله متعلِّقةٌ بالحكمة المُطلقة، وحكمته متعلِّقةٌ بالخير المطلق، إذًا الشر غير موجود، شرٌ مقصودٌ لذاته لا وجود له في أفعال الله تعالى في الكون إطلاقًا، لكن الشر نسبي، الأب حينما يعالج ابنه قد يضيِّق عليه، هذا التضييق من وجهة نظر الابن تضييق وشر؛ لكن من وجهة نظر الأب تربيةٌ وفضل، فيجب أن نعلم علم اليقين أن كل ما يسوقه الله جلَّ جلاله لعباده في الدنيا، إنما يسوقه لهم من أجل أن يقرِّبهم إليه، والدليل قول الله عزَّ وجل:
{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}
[سورة السجدة: 21]
كلمة (الضُر) ليست بالمعنى المطلق، بل بالمعنى النسبي، أي أنها ضرٌ بالنسبة للإنسان المقصِّر العاصي، لكنها بالنسبة إلى الله جلَّ جلاله تربيةٌ، وفضلٌ، ومعالجةٌ، ونعمةٌ باطنة، كما فسَّرها المفسِّرون.
{وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}
[سورة لقمان: 20]
النقطة الثانية:
{وَإِذَا مَسَّ}
الإنسان أحيانًا يمس مكواة ليرى أنها جاهزة للاستعمال، ماذا يفعل؟ يضع لعابًا على إصبعه، ويضع يده في أقلِّ مساحةٍ وفي أقل زمنٍ، هذا هو المس، أي أقل مساحة وأقل زمن مع مواد مخفِّفة، فالله عزَّ وجل إذا ساق عذابًا لعباده فمع العذاب لطفٌ كبير، لا يصيبهم بالعذاب بل يمسَّهم مسًَّا خفيفًا ..
{وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ}
أما الإنسان المقصود في الآية هو الإنسان الذي أودع الله عزَّ وجل فيه خصائص، أودع فيه شهوات، أعطاه عقلًا، أعطاه فطرة، هذا الإنسان كمواد أوليَّة قبل أن يعرف الله جعل له خصائص، فإذا عرف الله عزَّ وجل فله خصائص أخرى، مثلًا.