{خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}
الضأن، والماعز، والبقر، والإبل، ذكور وإناث صارت ثمانية، هذه مسخَّرة، أخٌ كريم ذكر لي، في بعض القرى المحيطة بدمشق بقرةٌ جمحت وخرجت عن تذليلها، فقتلت رجلين وجرحت أربعة، فاضطُّر صاحبها ـ وقد دفع ثمنها سبعين ألف ليرة ـ أن يمسك مسدَّسًا ويطلق عليها الرصاص لتقف عند حدِّها، هذه قصَّة عميقة جدًا، لو أن البقر كله أصبح متوحِّشًا لاضطرب شأن الإنسان واختلت بعض معاييره، من جعل البقرة مذلَّلة؟ تعطيك الحليب، لحمها تأكله، وجلدها تستعمله، وضَرْعُها تتغذَّى منه، والألبان أساسٌ في قِوام حياة الإنسان؛ السمن، والجبن، واللبن، والحليب، والقشطة، والزبدة، أصناف منوَّعة جدًا، تجد على المائدة عشرة أصناف كلُّها أساسها اللبن، تحضر عقد قران فيقدِّمون لك بوظة في الصيف، هذا من الحليب، في الشتاء محلاية من الحليب، كثير من الأكلات أساسها الحليب، معظم الحلويات أساسها الحليب، إذًا الله عزَّ وجل سخَّر هذه الأنعام.
{وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}
الأنعام كلها مذلَّلة وهذه من نعم الله عزَّ وجل:
التذليل، لو أن الله عزَّ وجل ركَّب طِباع الضبع في الأغنام، هل تستطيع أن تحضرها إلى البيت في العيد؟ يلعب بها الصغار؟ لا يستطيعون، لو أنه سبحانه لم يذلِّلها لما استفدنا منها، إذًا هي مخلوقةٌ تكريمًا لنا، وفيها شيء قد لا تنتبه إليه، هو أنها منذ البدء مذلَّلة، مخلوقة مذلَّلة، قال:
{وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ}
[سورة يس: 42]