كلمة (بالحق) دقيقة لأن لها معان كثيرة بحسب السياق، فمن أول معانيها أن الشيء إما أن يقوم على عِلم، وإما أن يقوم على جهل، فإذا قام شيءٌ على جهلٍ فلا بد من أن ينهار، إذا قام مذهبٌ على أساسٍ من الجهل، أو على أساسٍ من الهوى، أو من المصلحة فهذا المذهب لا يلبث أن ينهار، لأنه قام على مصلحة، أو قام على جهل، أو قام على هوى.
أما إذا قام على الحق، أي أنه قام على أسسِ علميَّة، والعلم علاقاتٌ ثابتة، الشيء الحق هو الشيء الذي بُنْيَ على علم، وكل شيءٍ بني على علم يحمل طابع الاستمرار، إذًا الشيء الحق هو المستمر، الباطل هو الذي سينهار، جدارٌ بني على الحق، بني وفق الشاقول، وضِعَت المواد بشكلٍ مدروس وكافٍ هذا الجدار لا يقع، أما إذا بني من غير شاقول، أي بني مائلًا، والمواد غير جيِّدة فهذا الجدار لا بد من أن يسقط، فبادئ ذي بدء أن الشيء الحق هو الذي بني على أسسٍ علميَّة.
ربنا سبحانه وتعالى بكل شيءٍ عليم، لذلك خلقه كامل، خلقه كامل لأنه عليم، عَلِمَ ما كان، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، هذا الشيء أُسِّسَ بالحق، أي أسِّسَ لهدفٍ نبيل، لا تؤسَّس الملاهي لهدفٍ نبيل، لكن الجامعات مثلًا تؤسَّس لترسيخ الحقائق ولترسيخ القيَم، نقول: هذه الجامعة أُنْشِئت بالحق، جامعةٌ أساسها الحقيقة والفضيلة، أما الملهى فقد أُسِّسَ بالباطل، لإفساد النفوس، لترويج الباطل، لتزيين المعصية.
كلمة الحق إذًا لها معانٍ كثيرة، إذا وردت مع الخَلق أي أن هذا الكون بني على علم، على علم الله عزَّ وجل، وأن هذا الكون خُلِقَ لهدفٍ نبيل، لهدفٍ كبير.
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِي}
[سورة الذاريات: 56]