فهرس الكتاب

الصفحة 15600 من 22028

شيءٌ آخر: هو أن كل الأحداث التي وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، والتي في ضوئها نزل تشريعٌ حكيم، أو نَطَقَ النبي عليه الصلاة والسلام بتوجيهٍ كريم، هذه الأحداث ليست مقصودةً لذاتها، المقصود لذاته هو التشريع الإلهي والسُنَّة النبويَّة، فكلُّ الأحداث التي وقعت إنما يراد منها أن يكون القرآن حُكْمًَا، وسنَّة النبي عليه الصلاة والسلام تشريعًا.

حينما أنزل النبي جيشه في معركة بدر في موقعٍ ما، وجاءه الحُباب بن المنذر رضي الله عنه وهو من أصحاب رسول الله، وسأله: يا رسول الله أهذا الموقع أوحاه الله إليك، أم هي المكيدة والمشورة والرأي؟""

كلامٌ دقيقٌ في أعلى درجات الأدب، إن كان هذا الموقع أوحاه الله إليك فهذا من عند الله وهو حق، أما إذا كان هذا الموقع من قِبَل الرأي والمشورة والمكيدة فليس بموقع مناسب، أليس الله قادرًا على أن يوحي إلى النبي عليه الصلاة والسلام بالموقع المناسب؟ بلى، أليس الله قادرًا على أن يلهم النبي عليه الصلاة والسلام بالموقع المناسب؟ بلى؛ ولكن هذا الحدث وقع ليقف النبيُّ الموقف الكامل ممن قدَّم له نصيحةً مخلصة.

إذًا النبي علَّم أصحابه، وعلَّم أمَّته من بعده، وعلَّم العلماء والأمراء من بعده أنه: إذا جاءتكم نصيحةٌ مخلصةٌ أساسها الغيرة على الدين فاستجيبوا لها، والنبي عليه الصلاة والسلام استجاب لهذا الرأي، ونقل الجيش إلى الموقع الذي ارتآه سيدنا الحُباب بن المنذر.

إذًا هذا التشريع، هذا الموقف الكامل، هذه القدوة التي وقفها النبي عليه الصلاة والسلام، ما كان لها أن تكون لو لا هذا الذي جرى، إذًا هذا الذي جرى ليس مقصودًا لذاته، المقصود لذاته أن يكون النبي في تصرُّفاته مشرِّعًا، وفي مواقفه كاملًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت