تتعلَّم، تعمل، تسعد، إذًا: فيما يبدو أن أول خطوةٍ في طريق الإيمان خطوة العلم بالله عزَّ وجل، بعد العلم بالله تأتي الطاعة، تأتي الاستقامة، يأتي العمل الصالح، بعد الطاعة والاستقامة والعمل الصالح تأتي السعادة في الدنيا والآخرة، وأداة العلم العقل، العقل أداة معرفة الله ومناط التكليف، وإذا أخذ الله ما أوهب أسقط ما أوجب، والنبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة جدًا حدَّثنا عن قيمة العقل، وقد لا تصدِّقون أن في القرآن الكريم ما يقرُب من ألف آية تتحدَّث عن العقل، وعن الفكر، وعن المحاكمة، لذلك ربنا عزَّ وجل حينما قال:
{فَاسْتَفْتِهِمْ}
فَاسْتَفْتِهِمْ
1 ـ لابد من المحاكمة العقلية:
أي أين عقلك؟ أين محاكمتك؟ أين هذه الجوهرة الثمينة التي وهبك الله إيَّاها؟ لماذا تعطِّلها؟ لماذا تحقرها حينما تعملها في أهدافٍ سخيفة؟
الإنسان أيها الإخوة حتى لا تستهلكه الحياة، حتى لا يكون من عمل إلى عمل، من لقاء إلى لقاء، من صفقة إلى صفقة، من طَور إلى طور، ثم يُفاجأ أن ملك الموت يطرق عليه الباب، ويقول له: تفضَّل معنا، لئلا يكون الموت حدثًا صاعقًا، يجب أن يكون للإنسان مع نفسه جلسات تأمُّل، فلو فرضنا أن الإنسان كان في غيبوبة، كان مخدَّرًا، كان في حالة إغماء، فاستيقظ ورأى نفسه في قطار، والقطار متحرِّك، أليس هناك سؤالٌ خطيرٌ جدًا: لماذا أنا في هذا القطار؟ وإلى أين يسير القطار؟ وأين محطَّته الأخيرة؟ ومن أيَّة محطَّةٍ انطلق؟ ما هذا القطار؟ قطار من؟ ومن أنا؟
و حينما خُلِقَ الإنسان في هذه الدنيا، وحينما أدرك، وجد نفسه كائنًا متحرِّكًا، في مدينة، له أب، له أم، ألا ينبغي أن يسأل: مَن خلقني؟ ولماذا خلقني الذي خلقني؟ ولماذا جعلني في الدنيا؟ وماذا بعد الدنيا؟ هذا الذي يعطِّل فكره تستهلكه الحياة، وينتهي أجله عندئذٍ يَقْدمُ على الآخرة صفر اليدين، عندئذٍ ينطبق عليه قوله تعالى: