العجيب أيها الأخوة أن هذه الآية جاءت يتيمةً بين آيات الطلاق وآيات القتال، وقد يسأل سائل: ما العلاقة بين أمرٍ تكليفيٍ تعبُّديٍ شعائري، وبين شأنٍ تكليفيٍ تشريعي كقضية الطلاق، وبين أمرٍ جهاديٍ كالقتال؟
جاءت آية الصلاة مُقحمةً بين سلسلة آياتٍ تتحدث عن أحكام الطلاق، وبين سلسلة آياتٍ تتحدث عن أحكام الجهاد. لعل الحكمة من أن تكون هذه الآية بين آيات الطلاق وآيات الجهاد؛ أن الإنسان لا يستطيع أن يقيم أمر الله، وأنْ ينفِّذه، ولا أن يضحي بنفسه في سبيل الله إلا أن يكون متَّصلًا بالله، وتطبيق آيات الله؛ الالتزام بالأمر والنهي، وبذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس يحتاج إلى طاقةٍ عاليةٍ جدًا، هذه الطاقة تأتينا من الصلاة، ليس هناك طاقةٌ من دون اتصالٍ بالله، ومن دونها ليس هناك إمكانٌ أن تلتزم بما أمر الله، وأن تنتهي عما نهى الله، والمنافق تضعف همَّته أن ينفذ أمر الله، وأنْ ينتهيَ عما نهى الله عنه، وأن يفعل شيئًا أراده الله، فهو ضعيف ..
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا}
[سورة النساء: 142]
إذا كانت همّةُ المنافق تضعف عن أن ينفِّذ أمر الله التشريعي، وأن ينتهي عما نهى عنه أيضًا، فلأَنْ يَعْجَزَ عن أن يبذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس في سبيل الله من باب أولى، لا يستطيع، فكأن الله عزَّ وجل يرشدنا إلى: أنكم يا عبادي؛ إن لم تتصلوا بي، وإن لم تقتبسوا هذه الطاقة من خلال إقبالكم عليّ فلن تستطيعوا لا أن تنفذوا أمرًا، ولا أن تبذلوا نفسًا، تنفيذُ الأمر غير بذل النفس، فإنسانٌ ضبط لسانه، نفذ الأمر، وضبط عينه، وغض بصره، وضبط سمعه، فما استمع إلى الغناء، بل ضبط يده فما بطش بها، وضبط رجله، فما سار بها إلى معصية، فالضبط يحتاج إلى اتصال بالله.