نحن في حياتنا اليومية نضع يدنا على زر فيتألق المصباح فجأة، نضعها ثانية فينطفئ فجأة، أما هذا التدريج اللطيف، تغيب الشمس، ولا تزال الدنيا مضيئة، كيف يدخل الظلام شيئًا فشيئًا، شيئًا فشيئًا، إلى أن يأتي وقت العشاء، فإذا الظلام قد عم الأرض، الله جل وعلا أولج الليل في النهار بلطف ما بعده لطف، لو أن الله جل وعلا يفعل كما نفعل نحن في حياتنا اليومية، وغابت الشمس فجأة، وغاب معها الضوء، لا شك أن الهواء الذي يغلف الأرض يقوم بعملية اسمها تناثر الضوء، هناك أشعة شمس، وهناك ظلام دامس، وهناك منطقة فيها ضياء، وليس فيها أشعة، الهواء الذي يغلف الأرض يقوم بمهمة تناثر الضوء، إذًا: الغلاف الهوائي نعمة من نعم الله عز وجل، هو الذي يجعل هذا الضياء يبدو بشكل تدريجي، وفي الصباح يولج النهار في الليل، ظلام دامس، يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وبعدئذِ يزداد الضياء شيئًا فشيئًا، إلى أن تشرق الشمس، ويعم الضياء الأرض.
هذه الآية الدالة على عظمة الله عز وجل، ولولا أن شكل الأرض كرة لمَا تداخل الليل والنهار، ولولا أن سرعة الأرض سرعة بقدر لما تداخل الليل والنهار بهذا البطء وبهذا اللطف، ولولا أن الأرض يغلفها غلاف غازي لما تناثر الضوء، والإنسان إذا دخل إلى الظلمة فجأة لا يرى شيئًا، بعد حين تتسع حدقته شيئًا فشيئًا، حتى تتبدى له بعض ملامح الأشياء، لو دخل الإنسان إلى سوق الحميدية أو سوق مدحت باشا الآن، فجأة وهو يقود مركبة بعد أن يدخل هذا السوق لا يرى شيئًا إطلاقًا، لأنه انتقل من الشمس المتألقة إلى منطقة أقل إضاءة، وإذا انتقل الإنسان من مكان مظلم إلى مكان مضيء، فتضيق حدقة العين شيئًا فشيئًا، حتى تأخذ الضوء الكافي، وأنت لا تدري، لكن الله جل في علاه جعل تداخل الليل والنهار تداخلًا لطيفًا، وتداخلًا مريحًا، وتداخلًا يوحي بعظمة الله عز وجل، هذا معنى قوله تعالى: