سأضع بين أيديكم صورة، لو كنتَ في مجلسٍ فيه أربعون شخصًا، وأحدهم قد أسدى إليك معروفًا جليلًا، لا تدري، ولا تشعر إلا وأنت ملتفت إليه، قد تنسى الباقين، قد لا تعبأ بكلامهم، لا تلتفت إلى صورهم، كلَّك منصرف إلى هذا المحسن، هذه طبيعة النفس، يا داود، ذكّر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب مَن أحسن إليها، الشرك خطره أنه يوهمك أن هذه النعم مِن زيد أو عبيد، ومِن فلان أو علان، وهي في حقيقتها من الله وحده، فإذا تحققت أَن كل النعم بدأت من نعمة الإيجاد، إلى نعمة الإمداد، إلى نعمة الصحة، إلى نعمة الفراغ، إلى نعمة الطمأنينة، إلى نعمة سلامة الأعضاء، إلى نعمة الأهل، إلى نعمة الأولاد، إلى نعمة المأوى، إلى نعمة العقل إلى نعمة الهدى، إلى نعمة التوفيق للهدى، إلى نعمة التطبيق، إذا أيقنت أن كل هذه النعم هي من الله بشكل طبيعي وعفوي ووَفق قوانين النفس تلتف إلى الله عز وجل، فالنعم كما قلت من قبل: ليس هناك مشكلة في وجودها أو عدم وجودها، النعم موجودة، لا يختلف على وجودها اثنان، ولكن المشكلة، أن المؤمن يعزوها إلى الله عز وجل وحده، وهذا هو الحق، بينما غير المؤمن تتوزع نفسه بين شركاء كثيرين، لذلك جاءت الآية الأولى: (الحمد) ، هذا الموقف الذي تمليه عليك فطرتك، الامتنان الشكر، الحمد، معرفة الجميل، هذا الموقف الأخلاقي الفطري، يجب أن يكون لله عز وجل، لأنه صاحب النعم.