الحقيقة يشيب المرء على ما شَبَّ عليه، ويموت المرء على ما شاب عليه، ويحشر المرء على ما مات عليه، الإنسان حينما ينشأ على معصية الله يتكون عنده شهوات آثمة، ميول منحطة، هذه إذا استمر عليها وبقي معها، رافقته إلى وقت الهرم.
مرةً ثانية: يشيب المرء على ما شَبَّ عليه، ويموت المرء على ما شاب عليه، ويحشر المرء على ما مات عليه.
2 ـ الإنسان بين خمسة أيام:
والإنسان بين خمسة أيام؛ يومٌ مفقود، ويومٌ مشهود، ويومٌ مورود، ويومٌ موعود، ويومٌ ممدود، أما اليوم المفقود فهو الوقت الماضي، والزمن الماضي الحديث عنه لا يقدِّم ولا يؤخر، مضيَعَةٌٌ للوقت، بذلٌ للجهد بلا طائل، واليوم المشهود هو أخطر أيام الحياة، ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة، هذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام:
(( لا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله علمًا، ولا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله قربًا ) ).
[روي في الأثر]
اليوم الموعود الموت، اليوم الموعود الوقوف بين يدي الله عزَّ وجل للحساب، اليوم الممدود إما في جنةٍ يدوم نعيمها، أو في نارٍ لا ينفدُ عذابها، وقال بعضهم:"ما مضى فات، والمؤمَّلُ غيب، ولك الساعة التي أنت فيها". أنت تملك هذه الساعة، ما مضى مَضى، والمؤمل قد لا تصل إليه:
ما مضى فات والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها
{وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ}
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ
هذه الشهوات؛ الطعام والشراب والنساء، والشأن الاجتماعي، هذه كلها شهوات تنتهي عند الموت ويلقى الإنسان عمله، حتى من أمضى حياته في طلب العلم رؤي بعد الموت قيل له: يا سيدي ما فعل الله بك؟ قال:"طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات، ولم يبق إلا ركيعاتٍ ركعناها في جوف الليل".