فالمؤمن ماذا يرى؟ يرى أن الإنسان خُلِقَ ليسعد، لكن لماذا المصائب والأحزان؟ لماذا الفقر والشدة؟ لماذا هذا العذاب، قال: هذا العذاب ليس مقصودًا لذاته؛ بل هو مقصودٌ لغيره، هو عملية معالجةٍ وإصلاح، هذه الرؤية الصحيحة، أما الذي يقول لك: إن الله عزَّ وجل خلقنا من أجل أن يعذِّبنا، جلَّت مشيئته، هذا لا يرى إنه أعمى، لا يرى الحقيقة، فلذلك اجلس مع إنسان دقائق، تكتشف أنه لا يعرف الحقيقة، تكتشف أنه في ضلال مبين، هذا الذي يرى الدنيا كل شيء لا يرى شيئًا، ربنا عزَّ وجل قال:
{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) }
(سورة الروم)
حتى الدنيا ما عرفوا أجمل ما فيها، لهذا قال بعض العارفين:
"مساكين أهل الدنيا، جاءوا إليها، وخرجوا منها، ولم يذوقوا أطيب ما فيها".
إنَّ أطيب شيءٍ فيها هذا الاتصال بالله عزَّ وجل، هذا الاتصال بالله يسبغ على حياتك كلها سعادة، لأنك تؤمن بالقيم والأخلاق، ففي حياتك قيَم، هذا تفعله وهذا لا تفعله، تنصح المسلمين في عملك، لا تكذبهم، لا تغشُّهم، ولا تدلِّس عليهم، تراهم إخوةً لك، تقدِّم لهم أثمن شيءٍ بسعرٍ معتدل، أنت في عملك سعيد لأنه يرضي الله عزَّ وجل، في بيته سعيد، في علاقاته كلِّها سعيدٌ جدًا، لماذا؟ لأنك تعمل عملًا ترضى الله به عنك.
الذي أتمنَّاه على كل أخٍ كريم، أن أيَّ شيٍ آخر غير العلم هو قاسمٌ مشتركٌ بيننا وبين بقيَّة المخلوقات، ولا فضل لنا به عليهم، لكن الذي تفوَّق به الإنسان هو القوَّة الإدراكيَّة، هذه القوة الإدراكيَّة قد يستخدمها الإنسان لمصالحه الدنيويَّة، فيكتشف عند الموت أن هذا العقل العظيم الذي وهبه الله إيَّاه إنما سخَّره لكسب المال فقط، وللإيقاع بين الناس، ولو سخَّره لمعرفة الواحد الديَّان لكان عقله سببًا في سعادته، إذًا:
{وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}
ماذا يرون؟ أن ..