{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ}
القوة البلاغية في القرآن الكريم:
هذه الآية فيها احتباك، ظاهرة بلاغيَّة رائعة، هناك غي أول قسم شيء محذوف، وفي آخر قسم شيء محذوف، لكن إذا اجتمع القِسمان يكون المعنى كما يلي: الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض في الدنيا، والحمد لله في الآخرة الذي له ما في السماوات وما في الأرض في الآخرة، ففي الدنيا الأمور كلُّها إليه، وفي الآخرة الأمور كلُّها إليه، وله الحمد في الأولى والآخرة، لكن الحمد في الأولى لا يعرفه إلا المؤمن، لأن المؤمن مُتَفَتِّح البصيرة، إيمانه دلَّه على عظمة الله، وعلى أسمائه الحسنى، وعلى صفاته الفضلى، المؤمن يرى في الدنيا أن يدَ الله فوق أيدي الناس، أنه هو المتصرِّف، هو المنعم، هو المانع، هو المُعطي، هو النافع، هو الضار، هو الخافض، هو الرافع، هو المعز، هو المُذل، هو القابض، هو الباسط، هذا يراه في الدنيا.
لكن غير المؤمن يرى الشركاء، يرى زيدًا وعُبيدًا، هذه كلها عصي بيد الله عزَّ وجل، المؤمن لا يرى العصا، ولكن يرى من بيده العصا، أما الكافر فيرى العصا.
تصوَّر طالبا ضربه معلِّمه، فصبَّ كل نقمته على هذه العصا التي آلمته، أليس هو بهذا الغضب والحِنق ضيِّق الفكر؟ كل نقمته صبَّها على العصا هو، مع أنها عصا لا تقدِّم ولا تؤخِّر، ولا تنفع ولا تضر، لكنها آلمت هذا الطفل، لأن الأستاذ سخَّرها لإيلام هذا الطفل، الطفل الأذكى لا يتألَّم من العصا، بل يتألَّم من الأستاذ الذي ضربه بها، والأذكى من الاثنين يرى الأستاذ رجلًا رحيمًا، ورجلًا عالِمًا، لا مصلحة له في إيقاع الأذى به، لابدَّ أنه ارتكب شيئًا يستحقُّ هذا العقاب، إما عقابًا، أو تأديبًا، أو وقايةً، أو ردعًا، إذًا ينقم على نفسه.