أيها الإخوة الأكارم ... ليست القضيَّة في هذه الآية قضية إثبات النِعَمِ أو نفيها، لكن القضيَّة لمن تُنسَب هذه النِعَم؟ لو أن أحدًا أخذ بيدك إلى وليمةٍ عالية المستوى، وتذوقت أطيب الطعام، تسأله: من صاحب الدعوة؟ الأكل نفيس، الإكرام بالغ، تريد أن تعرف من صاحب الدعوة لتشكره، النعم التي أكرم الله بها الإنسان؛ المسلم وغير المسلم، الكافر، والجاحد، نعمة الوجود، نعمة الزوجة، نعمة الحواس، نعمة الكون، نعمة دقائق ما في الكون، هذه نِعَمٌ يَنْعُمُ بها كل الناس، لا شكَّ فيها، ولا خلاف عليها، ولا تردد في تصديقها، بأن هذه نعم أو ليست بنعم، أو هذه نعم عظيمة أو ليست عظيمة، لا، فقد أجمع بنو البشر على أنهم متمتِّعون، متنعمون بنعمٍ لا تُعدُّ ولا تحصى، بل إنَّ أهل الكفر أكثر من أهل الإيمان استمتاعًا بهذه النِعَم، كل شيء درسوه، ودقَّقوا فيه، واستفادوا منه، وحَسَّنوه، حتَّى أصبحت الدنيا عند هؤلاء في أعلى درجاتها، وفي أجمل مظاهرها، وفي أعلى زينتها، بل إن الله سبحانه وتعالى أثبت لأهل الكفر أنهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا.
ويستوي في التنعُّم بهذه النعم كل إنسان؛ عالمًا كان أو جاهلًا، غنيًا أو فقيرًا، بدليل أن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، فأنت قد تشتري جهازا بالغ التعقيد، وتستفيد منه بالغ الفائدة، وتنعم به، ولا تفقه شيئًا عن طريقة تشغيله، أو عن آليَّة عمله، أو عن مبدأ عمله، وقد يشتري إنسان يجهل كل شيء أغلى سيَارة، ويركبها وينتفع بها، ولا يدري كيف صُنِعَت، ولا كيف صُمِّمت، ولا كيف رُكِّبَت، ولا على أي مبدأٍ عَمِلَت، لذلك قالوا: الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، قد تشتري جهاز تكييف، وتنتفع بتعديل الجو من دون أن تفقه مبدأ عمله.